![]() |
| شاهناز يوسف - سوريا |
حدود المجاز في الهايكو
هايكو العالم: 13 شتنبر 2026
هذه الورقة الثالثة
ضمن سلسلة من أوراق دراسية تتناول وظيفة المجاز في الهايكو، بعد ورقتي: عبد الجابر
حبيب [1]، ومحمد بنفارس[2].
تناقش شاهناز يوسف حدود فعل المجاز في الهايكو:
متى يشكل إضافة إلى المشهد، ومتى يتحول عبئا يفرض على القارئ توجها جاهزا؟
ومن خلال أمثلة تطبيقية، تؤكد الكاتبة أن المجاز ليس ممنوعا في الهايكو، غير أن استنباته يكون من قلب المشهد، لا أن يفرض عليه. كما ترى أن المجاز يفتح باب التأويل، ولا يحسمه بالتفسير.
المجاز ذلك العبور الجميل من معنى إلى معنى، حين لا
يعود الشيء مجرد شيء، بل يصبح في عين الشاعر باباً لمعنى آخر. هو أن ترى ما وراء
الظاهر، وأن تمنح الأشياء ظلاً من خيالك، من دون أن تفقد حقيقتها الأولى.
لكن إلى أي حد يمكن لهذا العبور أن يذهب في
الهايكو؟
الهايكو فن التقاط لحظة كما تُرى وتُحس. قوته في
المشهد، وفي التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة، لكنها تترك أثرها من دون حاجة
إلى شرح. ومن هنا تأتي حساسية المجاز فيه، فقد يضيف إلى الصورة، وقد يثقلها إذا
حملها معنى لا تحتمله.
لذلك ليست المسألة في وجود المجاز من عدمه، وإنما
في حضوره داخل النص: هل خرج من المشهد نفسه، أم جاء من رغبة الشاعر في أن يقول
شيئًا عنه؟
لنأخذ مثالاً من الهايكو:
شروق
على الأمواج
شظايا المرايا
في هذا النص، الذي كتبته، تأتي «شظايا المرايا»
صورة مجازية نابعة من المشاهدة. فالضوء حين يتكسر فوق الأمواج يبدو كأنه شظايا
مرآة متناثرة. المجاز هنا لا يشرح المشهد ولا يفرض عليه شعوراً معيناً، بل يجعل
العين تلتقط تفصيلاً آخر فيه.
ومثال آخر، أكثر ارتباطاً بالجانب الوجداني، للشاعر برندون كينت:
الطفل بداخلي
يخطو
مع أول ثلج
"الطفل بداخلي" مجاز، لكنه لا يبدو دخيلاً على اللحظة.
فأول الثلج قادر على استدعاء دهشة الطفولة وذاكرتها، والشاعر لا يشرح لنا هذه
المشاعر، بل يجسدها في طفل يعود إلى الحياة مع الثلج. هنا يضيف المجاز طبقة
إنسانية إلى المشهد، من دون أن يطغى عليه.
لكن المجاز قد يكون أحياناً ضيفاً ثقيلاً على الهايكو. لنتخيل مثلاً:
غروبٌ حزين
والشمس تبكي
فوق بحرٍ وحيد
في هذا النص، تتوالى الصفات والمجازات حتى تكاد
تستولي على المشهد: الغروب حزين، والشمس تبكي، والبحر وحيد. لم يعد القارئ مدعواً
إلى اكتشاف إحساسه الخاص أمام الغروب، لأن الشاعر قد سبقه إلى تحديد الحزن والبكاء
والوحدة.
هنا يصبح المجاز ضيفاً ثقيلاً، لا لأنه دخل النص،
بل لأنه لم يعرف متى يكتفي، فشغل من المكان أكثر مما يحتاجه.
والهايكو لا يطلب من الشاعر أن يتخلى عن المجاز، بل
أن يعرف أين يضعه. أن يكون المجاز جزءاً من المشهد، لا بديلاً عنه، وأن يفتح باب
التأويل، لا أن يغلقه بتفسير جاهز.
فحين نقرأ هايكو، يمكن أن نسأل: هل جعلنا المجاز
نرى شيئاً في المشهد لم نكن نراه؟ أم جعلنا نرى المجاز نفسه وننسى المشهد؟
في الحالة الأولى يكون حضوره مبرراً، وفي الثانية
يصبح عبئاً
لهذا أرى أن حدود المجاز في الهايكو ليست حدوداً
صارمة تمنع الخيال، وإنما هي نوع من حسن الضيافة. المشهد هو صاحب البيت، والمجاز
ضيف يأتي ليضيف شيئاً، لا ليجلس في مكان صاحب البيت.
وكلما كان الضيف أخف، كان حضوره أجمل.
وربما لهذا يكون أجمل المجاز في الهايكو هو الذي
يدخل بهدوء، يترك أثره، ثم لا يطالبنا بأن نلتفت إليه.
ففي الهايكو، لا تكمن براعة المجاز في أن يحتل
المشهد، بل في أن يعرف متى يتركه يتكلم......
