إعلان الرئيسية

الصفحة الرئيسية الهايكو بين المشهد والمجاز: عبد الجابر حبيب

الهايكو بين المشهد والمجاز: عبد الجابر حبيب

حجم الخط

 

عبدالجابر حبيب- سوريا

الهايكو بين المشهد والمجاز

 

هايكو العالم: فاتح شتنبر 2026

 

في سياق النقاش المتواصل حول وظيفة المجاز في الهايكو، وموقعه في بناء المشهدية الشعرية، ننشر مقالا وصلنا من الأستاذ عبد الجابر حبيب: "الهايكو بين المشهد والمجاز".

ينطلق الكاتب من التمييز بين المجاز الذي يأتي في خدمة المشهد، والمجاز الذي يصبح ركيزة في بنائه.  ويتوقف الكاتب عند نماذج يرى فيها أن الصورة المجازية تطغى على المشهد وتعيد تشكيله من خارج مقوماته الأساس، كما يمثل بصور مجازية أخرى يعتبرها تخدم النص.

مقال يضيف صوتا آخر إلى هذا النقاش حول حدود اشتغال المجاز انطلاقا من النصوص وليس من سلطة الأسماء، ويترك للقراء مساحة التفكير والتأمل والاختلاف.

__

في حديث حول التكريم والثناء لأحد نصوص الهايكو، وهنا لا أعرض النص ولا أذكر أبطال الحوار، ولكن سأكتب للفائدة حول نص فيه مجاز ثقيل، أي إن المشهد تم بناؤه على أساس المجاز، بدلاً من أن يأتي المجاز ليخدم النص:


عين المساء،

على سطح البحيرة

ينام القمر


أستاذي العزيز، لا أحد يصادر حقك ولا حق الأستاذ في أن تكتب بالطريقة التي تراها مناسبة، ولا أحد يملك الأدب حتى يتوج نفسه ملكاً عليه. لكن المشكلة ليست في حرية الكتابة، بل في حرية تسمية النص وتصنيفه.


إذا كتبتُ خاطرة شعرية جميلة، فهذا حقي، لكن هل يحق لي أن أسميها قصة قصيرة لمجرد أنني لا أعترف بمدارس القصة ولا بنقادها؟ وإذا كتبتُ نصاً سردياً من صفحة واحدة، فهل يصبح رواية لأنني أقول: أنا حر؟ بالتأكيد لا. فلكل جنس أدبي سماته الأساسية التي تجعله ما هو عليه.


والهايكو ليس استثناءً.


أنا لا أنكر وجود المجاز في بعض نصوص الهايكو، ولا أنكر أن بعض كبار شعراء الهايكو استخدموه. لكن هناك فرقاً كبيراً بين هايكو يقوم أساساً على مشهد ماثل أمام العين، ويأتي فيه المجاز عابراً أو خادماً للمشهد، وبين نص لا يمكن أن يقوم مشهده إلا على المجاز والأنسنة.


في النص:


عين المساء،

فوق فراش البحيرة

ينام القمر


لدينا "عين المساء" و"ينام القمر"، وليس للبحيرة فراش، أي إن المشهد نفسه صُنع بالخيال والمجاز. فالمساء ليست له عين، والقمر لا ينام على فراش البحيرة. ولذلك، مهما كان النص جميلاً، فهو في نظري ومضة شعرية جميلة، وليس هايكو.


مع الأسف الشديد، كثيراً ما نلاقي مثل هذا النص، وقد يُكرَّم في عدد من النوادي، وقد يفوز في مسابقة خاصة بالهايكو... على أي أساس يعتمد عضو لجنة التحكيم، ما دام يُنشر في بداية منشور المسابقة الابتعاد عن المجاز، والتنحي، والتكثيف، والدهشة، إلخ؟

فإذا وُجد مثل هذا النص، كيف يتم تقييمه نصَّ هايكو، وهو مؤسس أصلاً على المجاز؟

ولا نجعل المجاز محرماً، ولكن يجب أن نكون على حذر من استخدامه. فالنص التالي:


ليلةٌ صافية،

بين ظلال البيوت

قمر مكسور


لنلاحظ المجاز هنا؛ فهو يخدم المشهد. فلا قمر مكسور، ولكن يبدو القمر للعين الهايجن بعدما تلاشى نصفه، بسبب أن عين الهايجن ترى قسماً منه رغم اكتماله. فجاء المجاز لخدمة النص، والهايجن بنى المشهد ليأتي المجاز ويجمّل النص دون الشعور بوجوده.


أما عن الومضة الشعرية، فلا أرى في ذلك انتقاصاً من النص أو من كاتبته. بالعكس، من حق النص أن يأخذ جنسه الحقيقي دون أن نُلبسه لباساً مستعاراً. وإذا كان النص ومضة شعرية جميلة، فلماذا نخشى تسميته ومضة؟


أما قول إن كبار الهايكست انقسموا حول المجاز والأنسنة، فهذا صحيح من حيث وجود اختلافات في كتابة الهايكو الحديث، لكن وجود المجاز عند بعضهم لا يعني أن المجاز أصبح هو الذي يصنع المشهد. هناك فرق بين أن يكون المشهد هو الأساس، ثم يأتي المجاز لخدمته، وبين أن يكون المجاز هو الذي يخلق المشهد من الأساس.

 

خذ مثلاً:

 

مساء صيفي،

فوق سطح البحيرة

قمر مكتمل

 

هنا أستطيع أن أرى المشهد دون أن أحتاج إلى تخيله أو تأويله: مساء صيفي ـ فوق سطح البحيرة ـ قمر مكتمل أصبح بدراً. المشهد موجود بذاته، ولسنا مضطرين إلى أن نجعله شعرياً مغمّماً بالمجاز.

 

وهذا هو جوهر الخلاف بيننا: أنت ترى أن النص الجميل يمكن أن يكون هايكو مع مساحة واسعة للمجاز والخيال، وأنا أرى أن الهايكو يمكن أن يتطور ويتجدد، لكن من داخل مساحته الأساسية، لا بالخروج منها ثم الاحتفاظ بالاسم نفسه.

 

أما قول "اكتب ما تعتقده ونحن نكتب ما نعتقده"، فهو حق الجميع. لكن النقد أيضاً حق الجميع. أنت حر في أن تكتب ما تشاء، وأنا حر في أن أقول: هذا النص جميل، لكنه ليس هايكو.

 

فالاختلاف في الرأي صحي، لكن الإصرار على أن يكون النص هايكو لمجرد أن كاتبه يريده كذلك، رغم ابتعاده عن أسسه الجوهرية، ليس طريقاً إلى تطوير الهايكو، بل إلى تمييع حدوده؛ فلكلِّ جنسٍ أدبيٍّ مقام، ولكلِّ مقامٍ مقال.


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق