![]() |
| محمد بنفارس- المغرب |
المجاز في الهايكو
خارج ثنائية
المنع والإباحة
تقديم
اتسم
الحديث عن المجاز في الهايكو، على امتداد سنوات وما يزال، بصورة ثنائية متكررة: المجاز ممنوع
أو مسموح، مرفوض أو مقبول، هايكوي أو خارج عن الهايكو؟. ويلاحظ أن جل المواقف يغلب عليها التجزيء وانحصار الإحاطة المتأنية، كما أنها تستند
إلى تصورات جمالية ارتبطت بمراحل من تاريخ الهايكو الياباني، فيما تستند أخرى إلى
نصوص لهايجن كبار للحسم في قبول المجاز أو نفيه.
وتظل
هذه المقاربات أسيرة الإشكال نفسه، حتى مع اختلاف الحجج التي تعتمدها: هل
المجاز جائز في الهايكو أم هو ممنوع؟
وفي
ظل جدال الشد والجذب المزمن الذي يواكب المسألة (خاصة في المنطقة العربية)، يبدو
سؤال الوظيفة مقاربة منهجية أكثر حصرا للموضوع وأكثر إنتاجية. فالمجاز، شأنه شأن
أي عنصر لغوي أو بلاغي، تتحدد قيمته الشعرية بما يحدثه داخل النص، وبالعلاقة التي
يقيمها مع المشهد ومجمل العناصر المكونة للهايكو.
مقاربة تطبيقة
من
قبعتي
يتناثر الخريف~
أوراق القيقب
عيسى
ابركان- المغرب
في
تناولنا لنص عيسى ابركان، سنتوقف عند دور وحدود المجاز دون غيره من جوانب شعرية أخرى في
النص يمكن الرجوع إليها.
احتل المجاز
في نصنا حيزا ضيقا جدا يتلخص في حركة صغيرة جدا، ولكنها تضع أمامنا فرقا يستشعر دون تكلف
ودون صنعة بلاغية صيغت لذاتها: مشهد محسوس من أيام الخريف: أوراق قيقب تتناثر من
قبعة. في حين ينقل السطر الثاني "يتناثر الخريف" المتلقي إلى تركيب قد
يبدو ذهنيا، إذا ما عزل عن سياقه في قراءة متسرعة أو سطحية.
صحيح
أن الذي يتناثر واقعيا هي "أوراق القيقب"، بينما يمنح النص فعل التناثر
للخريف. غير أن المجاز هنا ينشأ من علاقة مباشرة بين الموسم وتجلياته المادية المتحركة، ثم
تحضر "أوراق القيقب" فتمنح الصورة جسدها المحسوس.
ومع حضور المجاز، فالقارئ لا يجد نفسه في وارد فك استعارة بلاغية معقدة، ولا يضطر إلى التنقيب
عن طلاسم زخرفية كامنة. فرؤية الأوراق تمنح سريعا المفتاح لإدراك كيف صار الخريف
قابلا للتناثر عبر حركة الأشياء وتحول الألوان..
اشتغال
المجاز من داخل المشهد
في
نصنا، أضاف التعبير المجازي طبقة إدراكية إلى المشهد الظاهر. ما يعني أن "أوراق
القيقب" لا تظهر كعناصر نباتية معزولة تتساقط وحسب؛ إنها تتعدى ذلك إلى جعل
الخريف حاضرا في فعل التناثر المحيط نفسه.
إن
فنية عمل النص الدائرية تجعل المشهد يتسع للحظة، ثم يعود سريعا إلى مادته.
وتتحقق هذه الحركة الدائرية
من خلال تفاعل العناصر الثلاثة:
1/ "من قبعتي" تشكل نقطة الانطلاق من
شيء شخصي،
2/ "يتناثر الخريف" يفتح فسحة مجازية
خفيفة،
3/ "أوراق القيقب" تعيد الصورة إلى مسرح
الرؤيا، وربما السمع أيضا.
فالمجاز
في نص عيسى عنصر وسيط في البنية، وحضوره لا يقلب الواقع ولا يذهب أبعد من موقعه
وعلاقته بالعناصر الأخرى.
المجاز
وشعرية المناخ
على
أن وظيفة "الخريف" في النص لا تتحدد كإشارة فصلية وإنما كحركة مرئية. فنرى
الأوراق تتحول إلى صورة مادية تجسد الخريف، ما يجعل المشهد يكتسب امتدادا إدراكيا يتجاوز،
بشعرية رقيقة، التسجيل الفوتوغرافي المباشر.
فلو
قلنا مثلا:
خريف-
تتناثر من قبعتي
أوراق القيقب
مع
ما يمكن أن يحدثه مثل هذا التدخل من تحريف في النص الأصل، فهو يكرر الكيغو مرتين، ما يثقل
النص دون مبرر، كما أنه يفرغ النص من أية شعرية أو أثر وجداني.
على
أن تعاضد العناصر من شأنه أن يولد مناخ شعريا لا يتأتى من كلمة "الخريف" منفردة،
ولا من المجاز منفردا. إنه نتاج للتفاعل الفني المدروس بين المكان الشخصي "
قبعتي"، والحركة الواسعة، والعنصر الموسمي المحسوس.
شعرية
اللمسة المجازية
وتكمن
شعرية "يتناثر الخريف" في خفة العبارة واقتصادها الشديد. كما أن العبارة
ليست جامدة، بل عززت المناخ الشعري بفعل حركي نقل المشهد من مستوى الرؤية المباشرة
إلى مستوى أكثر كثافة.
ما
يفيد أن الابتعاد عن التكلف والزخرفة لا يستدعي بالضرورة إلغاء كل إمكان مجازي في
اللغة- كما الحال في نصنا- بحيث أمكن للمجاز أن يتسرب دون تضخم ودون استعراض،
فاندمج في المشهد، بفعل الوظيفة الموكلة له والتي تمنعه من التمركز والاستحواذ على
النص.
سلطة
النص أم سلطة الاسم/ المرجع؟
وغني
عن البيان أن الإحالة إلى تاريخ الهايكو ومراحل تطوره واتجاهاته تكتسب قيمة معرفية
لا يمكن نكرانها، غير أن المرجع التاريخي لا يغني عن قراءة النص. فالهايكو، كما نعلم،
فن عرف تحولات متعددة، وتطورت داخله اتجاهات ومدارس من الكلاسيكي إلى الحديث
والمعاصر. لذلك سيكون من الصعب تحويل موقف تاريخي، مهما بلغت أهميته، إلى قاعدة
نهائية تحدد ما يجوز للهايكو أن يستوعبه.
وينطبق
الأمر كذلك على سلطة الهايجن المكرس. ما يفيد أن حضور المجاز في نص لهايجن معروف
لا يمنح ذلك مشروعية تلقائية، كما أن حضوره في نص لكاتب مغمور لا يجعله موضع هجوم
سافر دون سند. على أن اسم الهايجن - مهما كان- لا يقوم مقام التحليل، كما أن اسم
المرجع لا يعفي من اختبار النص.
بالمحصلة،
يبقى الإشكال حريا بما يصنعه المجاز داخل النص: موقعه، ووزنه، وعلاقته بالمشهد،
ومساهمته في إنتاج المناخ والأثر.
خلاصة
يبدو،
من خلال النقاش الدائر ومما سبق، أن موضوع المجاز في الهايكو ينبغي أن ينتقل من
سؤال المشروعية إلى سؤال الوظيفة. وهو الانتقال الذي يجعلنا نرتقي في مستوى
النقاش ونغادر دائرة مفرغة نحو فهم أوسع وخلاصات متقدمة.
وهكذا
رأينا، انطلاقا "من قبعة" عيسى ابركان، كيف أن المجاز يؤدي حركة مضبوطة دون سيطرة على المشهد، بحيث يوسع حضور مناخ الخريف من التسمية المجردة إلى السيرورة الدينامية،
ثم تعيد "أوراق القيقب" هذه الدينامية إلى مادتها الملموسة/المرئية.
وخلاصة
القول، فإن استعمالات وقيمة المجاز ينبغي أن تفهم، في وقع اللمسة التي يضيفها إلى
الكل، والدور الذي يحتله ضمن الكل، والأثر الذي يشارك في إنتاجه بتعاون وتماسك كل
العناصر.
