شعرية المناخات المشهدية
نحو تشكيل ذائقة جمالية جديدة
النقاش كان البداية
داخل فضاء النقاش الحر بمجموعة هايكو العالم H W على الفيسبوك، بدا السؤال عابرا:
ما الدور
الذي يمكن أن تلعبه القراءة في تشكيل الذائقة الهايكوية؟
غير أن التفاعلات المتوالية سرعان ما كشفت أن الأمر يتجاوز مجرد تبادل
للآراء حول الكتابة.
فظهر جليا
أن وعيا طفق يتشكل حول الهايكو كممارسة كتابة وكتجربة تلقي أيضا.
وقد كتب أحد المشاركين في النقاش: "القراءة كتابة أخرى".
وأشار آخر إلى أن: "الهايكو لا يكتمل في كتابته فقط، بل يتجدد في عين القارئ".
وبين هاتين الفكرتين، ينبني أفق هذه الورقة التجميعية في سؤالين محوريين:
- كيف تتشكل الذائقة الهايكوية؟
- وهل يمكن للقراءة النقدية، التي تنطلق من النص، أن تسهم في بناء
حساسية جمالية جديدة؟
الهايكو: أكثر من كتابة نصوص قصيرة
في التجارب العربية المعاصرة، رغم التراكم الحاصل، لا يزال الهايكو يختزل
في كتابة ثلاثة أسطر قصيرة، أو في البحث عن المفارقة والإدهاش السريع، أو في
مراكمة النصوص والنشر المتواصل.
إن الهايكو أكبر بكثير من مجرد كتابة نصوص قصيرة بشكل ثلاثي. وفي هذا
الصدد، تجدر الإشارة إلى أن تاريخ الهايكو يكشف أن كبار الهايجن لم يكونوا مجرد
كتّاب نصوص.
فباشو، المعلم الأول، لم يترك القصائد فقط، بل عمل على بناء حساسية
جمالية كاملة، عبر الرحلة، والحوار، وتأسيس مدرسة لتعليم الهايكو، وتوجيهاته وتعليقاته
على نصوص تلامذته، وإنصاته لما يحدث داخل القصيدة.
أما شيكي، المرتب رابعا في المعلمية، فقد خاض معارك نقدية وجمالية لم تنحصر
في التأليف وحده، بل امتد أوارها إلى مساءلة وإعادة التفكير في الهايكو كنوع، وفي
طرق كتابته وقراءته وتلقيه.
وفي التجارب العالمية المعاصرة أيضًا، يصعب فصل الكتابة عن القراءة
والنقد والترجمة والحوار الثقافي. ويبرز هنا اسم بانيا ناتسويشي كواحد من نماذج
الهايجن الذين لا يكتفون بإنتاج النص، بل ينخرطون بفعالية في:
-
الترجمة،
-
التنظير،
-
القراءات،
-
تنظيم اللقاءات،
-
الحوار العابر للغات
والثقافات.
وفي المنطقة العربية تبرز أسماء تسهم، بدرجات متفاوتة ومن مواقع مختلفة،
في تنشئة ذائقة هايكوية في وسط ثقافي منغلق لا يزال يعتبر الهايكو شكلا عابرا، بل
دخيلا على الثقافة العربية.
على أن المسألة لا تتعلق بفرض نموذج موحد للهايجن أو القارئ، وإنما
بالإشارة إلى أن الهايكو، منذ بداياته الأولى، كان جزءًا من دينامية جمالية
وقرائية تتجاوز حدود النص.
القراءة دعامة للتربية الجمالية
كشفت التعليقات المصاحبة للنقاش أن كثيرًا من الكتّاب والقراء لا يبحثون
فقط عن المجاملة أو التصفيق السريع، بل عن قراءة تساعد على رؤية ما قد يكون كامنا داخل
النص. في هذا الإطار، أشارت المداخلات إلى أن القراءة المتذوقة قد تكشف:
"صورة صغيرة لم نرها"، أو "علاقة خفية بين كلمتين"،
أو حتى "موسمًا متوار خلف كلمة". ما يتطلب من القراءة أن تتحول
من سلطة تفسيرية للنص إلى نوع من الإنصات. فالهايكو الأصيل لا يمنح نفسه دفعة
واحدة، بل يترك فراغات ومساحات صمت وتأمل تدعو القارئ إلى أن يكون جزءًا من تشكل
الأثر.
ومن ثم بدت فكرة "القراءة كتابة أخرى" أكثر من مجرد عبارة
عابرة داخل النقاش؛ كانت بحق مؤشرا عن وعي متنامٍ بأن النص لا يعيش في لحظة كتابته
فقط، بل يواصل تشكله داخل التلقي.
ومن هنا يمكن التأكيد، مرة أخرى، أن القراءة الجمالية ترقى من مجرد شرح
المعنى أو البحث عن “رسالة” جاهزة داخل القصيدة.
القراءة
التي تنبني على رؤية جمالية تجتهد في التقاط:
-
مناخ النص،
-
التوتر مهما كان
خافتا،
-
الإيقاع الصامت،
-
العلاقة الكامنة بين
المرئي وما يُترك خارج نطاق التصريح.
شعرية المناخات المشهدية والإنصات للنص
في أفق " شعرية المناخات المشهدية"، لا ينطلق الهايكو من
الفكرة المجردة، بل من مشهد يخلق مناخًا ويترك أثرًا. ومن هذه القاعدة الأساس لا
تتجه القراءة نحو سؤال:
"ماذا يريد الشاعر قوله، أو فيم يفكر؟"
بل ينصب الاهتمام على مساءلة
النص ومكوناته:
-
ماذا يحدث داخل
النص؟
-
كيف يتشكل المناخ؟
-
أين يبدأ الأثر؟
-
ماذا وقع الحذف؟
-
ما الذي يكمن وراء البياض؟
القراءة لا المطرقة
ضمن تفاعلات النقاش، ظهرت عبارة دالة تستوقف الانتباه:
"حلّلوا نصوصنا بفرح ومحبة… لا بمطرقة وسندان".
وهي عبارة تختصر جانبا من واقع القراءات السائدة، كما توحي، من جهة أخرى،
إلى طبيعة القراءة التي يحتاجها الهايكو لتطوير التلقي والأخذ بيد عشاق النوع.
فالقراءة التي تستعرض المصطلحات، أو تبحث عن الهيمنة بالإقصاء، أو تُقوّل
النص ما لا يحتمله، قد تخلط الأوراق وتشتت فهم القارئ وترمي به بعيدا عن التجربة،
في الوقت الذي يكمن دور أي قراءة جادة تمتلك أدوات العمل في تقريب التجربة. ومن هنا فعالية
وتأثير القراءة التي تشير بخفة إلى ما قد يغيب عن العين المتسرعة، وتسهم جماليا في
بناء أسس التلقي وتنمية الذائقة.
وفي أفق "شعرية المناخات المشهدية"، لا نعتبر القراءة النقدية،
نشاطًا ثانويا أو منفصلًا عن فعل الكتابة، وإنما يشكل جزءًا مهما من تربية
الحساسية الجمالية وبناء الذائقة.
من النشر إلى بناء الذائقة
ربما لهذا السبب الوجيه، لم تعد كثير من التجارب الهايكوية المعاصرة
تكتفي بالنشر وحده، بل بدأت تمنح القراءة والحوار مساحة متزايدة داخل الممارسة
اليومية.
ضمن هذا الأفق، تجتهد تجربة هايكو العالم H W في
الاشتغال على فن الهايكو كفضاءً للتلقي والتفاعل من خلال:
-
القراءات المواكبة
للنصوص،
-
ورشات الكتابة،
-
الحوار المفتوح،
-
التعدد اللغوي،
-
احتكاك التجارب،
-
الترجمة
-
الموقع الرقمي والمجلة
الفصلية التي تولي عناية خاصة للجانب القرائي والجمالي.
ولا بد من التوضيح بهذه المناسبة، وبخلاف ما ذهب إليه البعض، فلا يتعلق
الأمر ببناء سلطة نقدية جديدة، ولا بإعلان قطيعة مع التجارب الأخرى، بل بمحاولة
متأنية للإسهام في توسيع أفق التلقي، وإعادة الاعتبار لفعل القراءة بوصفه أحد أهم شروط
تشكل الذائقة.
نحو ثقافة هايكوية أكثر وعيًا
ما كشفه هذا النقاش، في المحصلة، أن الهايكو لا يحتاج إلى كتّاب فقط، بل
إلى قرّاء يمتلكون حساسية الإنصات للنص.
فالذائقة ليست معطى جاهزًا، ولا مهارة تقنية تُكتسب في يوم واحد.
إنها مكابدة
حقيقية وبناء بطيء، يتشكل عبر:
-
الاطلاع والمتابعة،
-
القراءة،
-
الحوار،
-
المقارنة،
-
الإصغاء،
-
إعادة النظر
المستمرة في النصوص.
وقد يكون من المفيد اليوم توسيع هذا النقاش بغاية فتح مزيد من الأسئلة
حول:
-
التلقي،
-
القراءة،
-
التربية الجمالية،
-
دور الورشات والمنصات
والمجلات المهتمة ببناء ثقافة هايكوية أكثر وعيًا ومشاركة وتذوقا.
على سبيل الختم
ويمكن القول إجمالا، أن القراءات الجمالية الجادة، والحوارات المتأملة،
وكل محاولات الاقتراب من النصوص بخفة ومحبة، يمكن أن تسهم، بفعالية وعلى نحو متدرج،
في تشكيل ذائقة قادرة على رؤية الهايكو كتجربة جمالية كاملة، تُدرب العين على
المشاهدة، والأذن على الإنصات، وتستدعي القارئ ليختبر بنفسه المشهد، لا أن يستهلكه
من الخارج أو يفرض عليه معنى محددا.
في ختام هذه الجولة في أرجاء نقاش مثمر، نرجو أن يكون منطلقا لتبادل من
شانه أن يعزز ممارسة تنشغل أيضا بتربية الحس الجمالي الهايكوي.
