إعلان الرئيسية

الصفحة الرئيسية الدهشة ووهم المعيار: محمد بنفارس

الدهشة ووهم المعيار: محمد بنفارس

حجم الخط

 

الدهشة في تقييم الهايكو
بين 

وهم المعيار وأفق المناخ المشهدي


 








هايكو العالم: 07 مارس 2026


تمهيد

يتكرر في بعض الكتابات العربية حول الهايكو استعمال كلمة "الدهشة" بوصفها معيارًا لتقييم النصوص. فنقرأ أحكامًا من قبيل: "هايكو مدهش"، أو "دهشة فارقة"، أو "نص يفتقر إلى الدهشة". وغالبًا ما تُستعمل هذه العبارات كأنها أدوات نقدية قادرة على تحديد جودة النصوص أو ضعفها.

غير أن هذا الاستعمال يثير إشكالًا منهجيًا:
هل يمكن فعلًا اعتبار الدهشة معيارًا نقديًا في قراءة الهايكو؟ أم أنها مجرد انطباع ذاتي يتشكل داخل تجربة القارئ؟

في أفق شعرية المناخات المشهدية (ش م م)، لا يُنظر إلى الهايكو بوصفه جهازًا لإنتاج المفاجأة أو خلق صدمة جمالية، بل بوصفه مجالًا لظهور مشهد تتجاور عناصره ذاتيا. ومن هذا الظهور يتشكل ما نسميه بالمناخ المشهدي الذي يولّد أثره دون توجيه أو صنعة أو استدراج.

ما يدفع لطرح السؤال النقدي:
هل الدهشة مقياس للحكم على الهايكو، أم أنها مجرد أثر محتمل قد يحدث أحيانًا داخل تجربة المشهد؟

 

إشكال «الدهشة» بوصفها معيارًا


عندما تتحول «الدهشة» إلى أداة تقييم، فإنها تُستخدم غالبًا بوصفها حكمًا مختصرًا يختزل النص في رد فعل شعوري أو انطباعي. غير أن هذا النوع من الأحكام لا يعتد به كونه يخلو من أي أساس نقدي واضح.

فالدهشة تجربة ذاتية تتأثر بخبرة القارئ وتوقعاته ودرجة تفاعله مع العالم الذي يقدمه النص. ما يبدو مدهشًا لقارئ قد يبدو عاديًا لآخرلذلك يصعب التعامل مع الدهشة بوصفها أداة قراءة. فهي لا تكشف شيئًا محددًا في طبيعة النصلا في علاقة عناصره، ولا في تشكل صورته، ولا في كيفية تولد أثره.

وفي كثير من الأحيان تتحول هذه الكلمة إلى بديل عن القراءة نفسها: حكم سريع يحل محل النظر في مكونات النص.

 

المشهد بدل المفاجأة


في المقابل، تنطلق ش م م من سؤال مختلف. فهي لا تبحث عن عنصر المفاجأة داخل النص، بل تنظر إلى كيفية تشكل المشهد.

فالهايكو، في هذا الأفق، ليس جملة ذكية ولا مفارقة لغوية، بل مجال إدراكي تظهر فيه الأشياء في علاقة حسية مباشرة.

فعناصر النص لا توضع لتقول معنى، بل تتجاور داخل فضاء واحد: صوت ماء، ظل شجرة، تحليق طائرة ورقية، مقعد فارغ، فأرة في السوبر ماركت، أو أحمر شفاه...

ومن هذا التجاور البسيط ينشأ المناخ المشهدي الذي يسمح للأثر بأن يحدث دون إعلان.

 

حين تتحول الدهشة إلى صنعة


المشكلة تظهر عندما تتحول الدهشة إلى مبتغى يسعى إليه الكاتب. عندها قد يلجأ النص إلى مفارقات مفبركة أو إلى بناء لغوي مخدوم يقود القارئ نحو مفاجأة في السطر الأخيرـ، أو ما يحلو للبعض تسميته بكسر التوقع ( Chute ).

في مثل هذه الحالات لا يعود المشهد هو مركز التجربة، بل التأثير الذي يراد إنتاجه عبر التدخل.

غير أن هذا النوع من النصوص يبتعد مسافات عن طبيعة الهايكو التي تقوم على اقتصاد الرؤية وسلاسة الظهور. فالأشياء في الهايكو لا تُرتَّب لتصدم أو تدهش القارئ، بل تُترك لكي تكشف حضورها من ذاتها ومن تفاعلها مع بعض.

ولهذا يمكن الجزم بأن الدهشة، حين تُصنع، تتحول إلى صنعة بلاغية وليس أكثر من ذلك.

 

اختبار النصوص الكلاسيكية


لو اعتُمدت «الدهشة» معيارًا للحكم على الهايكو، لكان علينا إعادة النظر في عدد كبير من النصوص المؤسسة لهذا الفن.

في هايكو باشو Matsuo Bashō:

على غصن عار
وحيدًا جثم غراب
مساء الخريف

المشهد بسيط: غصن، غراب، مساء خريفي.
لا مفارقة ولا خاتمة مفاجئة، ومع ذلك يُعد هذا النص من أشهر نصوص الهايكو.

وفي نص آخر لباشو:

أمطار عرضية -
ليس من داعٍ للقلق
يا براعم الأرز

المشهد هنا يقوم على طمأنينة العلاقة بين المطر وبراعم الأرز.

ونجد الأمر نفسه عند بوسون Yosa Buson:

الجو يلمع،
طيران باهت
لحشرة مجهولة

وكذلك عند إيسا Kobayashi Issa:

ظهيرة -
العصفور يغني،
النهر يجري في صمت

وفي نص لشيكي  Masaoka Shiki:

قرية جبلية -
تحت الثلج المتراكم
صوت الماء

هذه النصوص لا تعتمد على المفاجأة/ الدهشة، بل على حضور المشهد وقوته.

 

الهايكو المعاصر واستمرار الأفق المشهدي


حتى في الهايكو الحديث لا تبدو الدهشة عنصرًا حاسمًا في بنية النص. ففي نص لـكيرواك Jack Kerouac:

مرج الصباح -
ما يلفت انتباهي
عشبة واحدة

لا يقوم النص على مفاجأة أو مباغثة، بل على تركيز الرؤية في تفصيل بسيط داخل المشهد.

وهذا ما يؤكد أن قوة الهايكو لا تكمن في خلق صدمة جمالية، بل في الاقتصاد الذي يسمح للأشياء بأن تظهر.

 

نحو أفق قرائي


إذا كان الهايكو يقوم على ظهور المشهد، فإن قراءة هذا الفن لا يمكن أن تعتمد على رد فعل شعوري مثل الدهشة. ما يحتاجه القارئ هو أداة تسمح له بملاحظة كيفية تشكل المناخ المشهدي داخل النص.

وهنا تقترح شعرية المناخات المشهدية (ش م م) النظر إلى عناصر الهايكو من خلال المؤشرات التالية:

          - طبيعة المشهد الحسي

         - علاقة العناصر داخل هذا المشهد

         - المجال الإدراكي الذي يفتحه النص

         - والأثر الذي يتولد دون تفسير أو إعلان

وعلى هذا الأساس، لا تكون القراءة بحثًا عن المفاجأة، بل إنصاتًا لظهور العالم داخل النص.

 

خاتمة


تكشف تجربة قراءة الهايكو أن «الدهشة» لا تصلح معيارًا لتقييم النصوص، لأنها تعبيرعن استجابة نفسية عابرة أكثر مما هي أداة تحليل.

أما الهايكو نفسه فيقوم على شيء أكثر بساطة وعمقًا: ظهور المشهد.

فالأشياء في هذا الفن لا تُستخدم لصناعة المفاجأة، ولا لتوصيل فكرة أو رسالة جاهزة، بل تُترك لكي تظهر في تجاورها الطبيعي. ومن هذا الظهور يتشكل المناخ المشهدي الذي يولّد أثره بهدوء.

وهنا يكمن الفرق بين نص يجهد نفسه لإدهاش القارئ عن طريق الإضافة والتصنع، ونص يكتفي ذاتيا بفتح مجال الرؤية أمام ذائقة المتلقي.

 


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق