![]() |
| محمد بنفارس- المغرب |
من الدهشة إلى الوعي
من منظور
شعرية المناخات المشهدية
نحو هايكو يرى العالم
في
الهايكو الكلاسيكي، كثيرًا ما يُقاس النص بالدهشة العابرة أو المفاجأة الطفولية،
لكنها لحظة عابرة لا تلمس ثقل العالم ولا أثره في النفس. من
هنا تظهر الحاجة إلى الوقوف عند مفهوم “هايكو الوعي” في الهايكو المعاصر.
يمكن اعتبار هايكو الوعي تطورًا
نوعيًا يدعم شعرية المناخات المشهدية :الأولى
تهتم بما يتركه المشهد على الوجدان، والثاني يوفر إطارًا واعيًا ومتعدد الحواس
لهذا التأثير، بحيث يُستشعر أثر الحدث على الجسد والوجدان تفاعلًا واعيًا وليس
مجرد استجابة ميكانيكية، متجاوزًا الدهشة العابرة أو المفارقة الطفولية.
وهكذا، سنعكف في هذا المقال على تقديم رؤية
تأسيسية عملية، تربط بين الخلفيات القرائية السائدة وتجربة الحواس
المتعددة، مركّزًين على وعي ما بعد البراءة وتفاعل القارئ مع أثر الحدث،
لا الحدث في حد ذاته.
الدهشة:
مرحلة أولى
الدهشة
مفيدة كمرحلة أولى، لكنها لا تكفي لتأسيس علاقة أعمق مع النص أو العالم.
في المقابل، هايكو الوعي يشمل كل
الحواس: العين ترى، الأذن تسمع، واللمس والشم والإحساس
الداخلي تشعر كلها بما تبقّى من أثر الحدث.
هايكو
الوعي من الداخل
ضفة
المتوسّط
بريق في عيون
الناجين
م.
بنفارس
ينزل النص إلى مستوى الجسد والوجدان بعد الحدث. البريق علامة نجاة، أثر خفيف يُستشعر في كل الحواس، بعيدًا عن المفارقة أو الدهشة المباشرة. المناخ الشعري يظهر أثر الحدث على الوجدان لا الحدث نفسه. من هذا التأثير الداخلي، يمتد هايكو الوعي إلى أفق أوسع، حيث يُقاس الحدث من خلال أثره الرمزي والمسافة الأخلاقية.
هايكو
الوعي من علُوّ رمزي
تسونامي
في اتجاه عجوز
تنام بعمق
البابا الطائر في السماء
-بانيا ناتسويشي، البابا الطائر في السماء ترجمة: محمد
عضيمة
يبني
النص مناخًا قائمًا على المسافة الأخلاقية وتعدد الحواس: كارثة تتحرّك، جسد هشّ يشعر بها، وعلوّ
رمزي يظل بعيدًا.
الهايكو يترك وقع المشهد على الوجدان أن
يظهر كمنتج لتفاعل واعٍ مع الحدث، لا كاستجابة آلية.
مفعول
التجاور
الهايكو
الأول يلامس الوعي الداخلي والتفاعل الحسي المباشر،
والثاني يقيس الحدث من علو رمزي
ومسافة أخلاقية.
كلا النصين يعكس هايكو الوعي: تجربة
حسيّة متكاملة تلتقط أثر الحدث على الوجدان، وتربط القارئ بتجربة صامتة، واعية،
وشاملة للحواس.
هايكو
يترك الجرح مفتوحًا
هايكو
الوعي لا يقدم إجابات جاهزة، ولا يغلق على نفسه.
من بريق عيون الناجين إلى تسونامي فوق
العجوز، النصوص تُظهر أن الهايكو ليس للمتعة اللحظية، بل للمسافة الواعية بين
الحدث والمشاهدة.
هايكو يترك
الجرح مفتوحًا بما يكفي لنراه، دون محاولة سدّه بجمال مزيف أو دهشة عابرة.
