إعلان الرئيسية

الصفحة الرئيسية التسويق الهايكوي: غياب اللحظة وثرثرة القراءة/ محمد بنفارس

التسويق الهايكوي: غياب اللحظة وثرثرة القراءة/ محمد بنفارس

حجم الخط

محمد بنفارس- المغرب

التسويق الهايكوي 

غياب اللحظة وثرثرة القراءة

وفق شعرية المناخات المشهدية 







هايكو العالم : 22 دجنبر 2025


تمهيد

يقوم الهايكو، في جوهره، على التقاط لحظة آنية تُعاش في الهنا والآن، لا بوصفها فكرة أو معنى، بل باعتبارها تجربة حسية تُحدث مناخًا شعوريًا مباشرًا لدى القارئ. وعندما يغيب هذا البعد اللحظي، تميل بعض القراءات إلى تعويض النقص عبر التفسير والتوسّع والشرح، فتتحول القراءة من فعل إنصات إلى ما يمكن تسميته بـثرثرة القراءة.
تهدف هذه الورقة، إلى إبراز هذا الخلل المزدوج: غياب اللحظة في النص من جهة، وميل القراءة إلى تجيير النص بما ليس فيه من جهة أخرى، وذلك انطلاقًا من منظور شعرية المناخات المشهدية.

 

1.     النص موضوع القراءة

من سطح إلى سطح
يتجه النهار
إلى ساحة القرية

 

2.     غياب اللحظة

يقدّم النص حركة عامة للنهار، لكن هذه الحركة تبقى تصورية أكثر منها حسية. فالفعل «يتجه» يحيل إلى مسار ذهني أو توصيف كلي، لا إلى حدث يُلتقط في لحظة بعينها. نحن أمام انتقال مكاني افتراضي، لا أمام مشهد يُدرك بالحواس.

كما أن مفردات النص (السطوح، النهار، ساحة القرية) تظل محايدة مناخيًا، لا تُفعّل لونًا أو صوتًا أو ملمسًا، ولا تتيح للقارئ الدخول إلى تجربة ملموسة. 

فمن منظور شعرية المناخات، لا يكفي انتظام الأسطر أو وضوح الصورة العامة لقيام الهايكو، ما لم يُنتج النص مناخًا شعوريًا محددًا في الهنا والآن.

 

3.     حين تتدخل القراءة لتعويض الغياب

أمام هذا الفراغ المناخي الواضح، لا تتردد بعض المناولات المتسرعة  إلى الاشتغال على النص لا كنص، بل كتحفة من صياغة "اسم" معروف، فتستدعي عناصر غير منصوص عليها: (ضوء الشمس، حركة الظلال، دينامية القرية، أو رمزية الفضاءات). هكذا تتحول القراءة إلى إنتاج مناخ بديل عبر لغة التسويق والمدح والإسقاط.

هذه الثرثرة القرائية لا تصدر عن اشتغال نقدي مهني، بل عن رغبة في وضع اسم  في قائمة النقاد، بالربط مع نص لواحد من "كبار" الهايكو. غير أن النتيجة جاءت معاكسة بحكم ضعف النص ابتداء، وبحكم تهافت التناول لنقص في الموارد وغياب المنهج وضعف الأدوات القرائية. ما أنتج قراءة أكثر حضورًا من النص، وأكثر إعلانا للحسّية منه، فتحلق شرحا وتبريرا بعيدا عن الهايكو بوصفه تجربة صامتة ومعاشة.

 

4.     من المثال إلى الظاهرة

لا يندرج هذا المثال ضمن حالة فردية، بل يعكس ظاهرة متكررة في قراءات الهايكو العربي المعاصر، حيث يُواجَه غياب اللحظة وسمات هايكوية أخرى بتضخيم الخطاب القرائي. في هذا السياق، يُساء فهم النقد بوصفه توسعة أو بحثا عن المعنى، لا اختبارًا لصدقية المشهد ولأثر اللمناخ الشعوري.

تكمن خطورة هذه الظاهرة في كونها تُعوّض ، بوعي أو دونه، ضعف النص بنشاط استطرادي للقراءة، بدل أن تُدرّب الذائقة على التمييز بين ما يُقدّمه النص فعليًا وما تضيفه القراءة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للاقتصاد، والتريّث، والقبول بأن بعض النصوص، رغم استيفائها الشكل، لا تُنتج تجربة هايكوية مكتملة مهما كان اسم كاتبها.

 

خاتمة

لا تقترح شعرية المناخات إقصاء النصوص التي تغيب عنها اللحظة، ولا محاكمة القراءات التي تحاول فهمها، بل تدعو إلى وعي نقدي هادئ يميّز بين النص ومرافعاته. ففي الهايكو، لا تُقاس القيمة بما يُقال عن النص وصاحبه، بل بما يُحدثه من حضور آني صامت. وكل قراءة تُنصت إلى هذا الصمت، حتى حين تعترف او تغلف غيابه، تكون أقرب إلى روح الهايكو من أكثر القراءات تسويقا وثرثرة.






ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق