![]() |
| محمد بنفارس |
اللامعنى بوصفه
أفقًا قرائيًا
في شعرية
المناخات المشهدية
هايكو العالم: 19 دجنبر 2025
محمد بنفارس- المغرب
تمهيد
لا تنطلق شعرية
المناخات المشهدية من سؤال المعنى، ولا تضعه غاية لقراءتها. فهي لا تبحث عن
دلالة خفيّة ولا عن مضمون قابل للاستخراج، بل تُنصت إلى ما يظهر بوصفه مشهدًا،
وإلى ما ينسحب بوصفه صمتًا. ومع ذلك، يبدو فعل القراءة فيها وكأنه يتقدّم نحو
معنى، دون أن يعثر عليه. هذا التوتر هو جوهر المقاربة لا تناقضها.
في هذا الأفق، لا
يُلغى المعنى، بل ينتفي لأنه لم يعد مركز التجربة. ما يُستدعى هو المناخ: اهتزاز
اللحظة، الإيقاع الداخلي، والفراغ الذي يتركه النص مفتوحًا. المعنى، إن حضر، يحضر
عرضًا، بلا ترتيب، بلا إعلان.
اللافت في كثير من
القراءات العربية للهايكو هو الإصرار على سؤال المعنى، والإغراق في الشرح
والتأويل، بحثًا عمّا يُسمّى «المعنى العميق». فيتحوّل الإنصات إلى ملاحقة،
والمشهد إلى تفسير، وتغدو القراءة غالبًا أكثر صخبًا من النص نفسه. ليس لأن النص
فقير، بل لأن السؤال الموجَّه إليه ليس سؤاله. وحين يُلحّ البحث عن المعنى، نكون
قد غادرنا المناخ الشعري.
العودة إلى كبار
الهايجن تكشف، دون حاجة إلى شرح، كيف يعمل الهايكو حين لا يَعِد بمعنى ولا يقود
إليه. نصوص تُقرأ كثيرًا، ويُفتَّش فيها طويلًا، دون أن تُغلق دلاليًا. لا لأنها
غامضة، بل لأنها مكتفية بمناخها.
نصوص لا
تُفضي لمعنى
ماتسوؤو باشو (1644–1694)
بركةٌ قديمة
ضفدعٌ يقفز
صوتُ الماء
يوسا بوسون (1716–1784)
مساءٌ ربيعي
لا شيء يحدث
إلا الجبل
كووباياشي
إيسّا
(1763–1828)
هذا العالم الماطر
ومع ذلك…
ومع ذلك…
ماساوكا شيكي (1867–1902)
بعد المطر
ظلُّ الغيم
على الحقل
لا تُدرج هذه
النصوص لتُشرح، بل لتُترك تعمل في صمتها. فهي لا تمنح ما نبحث عنه، وفي هذا بالذات
تكمن قوتها. هكذا تُقارب شعرية المناخات المشهدية الهايكو بوصفه تجربة
تُعاش، لا معنى يُستخرج. وحين يفشل القارئ في العثور على معنى، يكون قد اقترب من
المناخ الشعري.
