![]() |
| محمد بنفارس- المغرب |
التناص في الهايكو
أو
الهونكادوري
إطار
عام وأسئلة مفتوحة
مدخل إلى
الإشكال
في هذه الورقة،
الأولى ضمن سلسلة أوراق حول موضوع التناص في الهايكو، نسعى إلى فتح نقاش
هادئ وواضح حول كيفية التعاطي مع هذا المفهوم داخل فضاء الهايكو العربي، ومقارنته
بكيفية حضوره وفهمه في الثقافة التي أنجبت الهايكو، أي الثقافة اليابانية، ثم في
تجارب عالمية أخرى.
لا يهدف هذا الطرح
إلى بناء تعريف نظري للتناص بقدر ما يسعى إلى مساءلة بعض الأحكام الجاهزة التي
تُسقَط على الهايكو من خارج سياقه الجمالي والثقافي، خاصة حين يُتعامل مع تشابه
النصوص بوصفه قرينة على "السرقة" أو "السطو الأدبي".
مثالان من
التقليد الهونكادوري
الذي
يُصلح السقف —
مؤخرةٌ تنفخ فيها
ريحُ الربيع
— إيسا كاباياشي Issa Kobayashi (1763–1828)
ترجمة عن الإسبانية: محمد بنفارس
ريحُ
الخريف —
تتقلّص خصيتا
ذاك الذي يضع السقف
— ريوكان تايغو Ryōkan Taigu (1758–1831)
ترجمة عن الإسبانية: محمد بنفارس
في معنى
التقارب بين النصوص
ينتمي إيسا
وريوكان إلى الحقبة نفسها تقريبًا، ويُعدّان من أبرز أصوات الهايكو في اليابان.
والتقارب اللافت بين النصين، من حيث المشهد والبنية والدلالة الجسدية المرتبطة
بالطقس، يثير تساؤلات قد تبدو بديهية لمن ينظر إلى الهايكو من زاوية أخلاقية أو
قانونية خارج سياقه.
هل يمكن الحديث
هنا عن سطو؟
وهل يُفهم هذا التشابه بوصفه تعديًا
نصيًا؟
أم أننا أمام اشتغال مشروع داخل تقاليد
شعرية ترى في المشهد المشترك مادةً مفتوحة لالتقاطات متعددة؟
طبيعة التناص
في الهايكو
يُظهر المثالان
أعلاه نوعًا من التناص لا يقوم على الاقتباس أو الإحالة النصية المباشرة، بل على
الاشتغال داخل تقليد شعري حي، حيث يتقاطع الشعراء في المشهد والحساسية
دون أن يتقاطعوا في الصياغة أو القصد. إننا هنا أمام تناص تقليدي تداولي، أقرب إلى
ما يُعرف في الثقافة اليابانية بتقنية الهونكادوري (Honkadori)،
حيث تُعاد معالجة مشهد أو مناخ مألوف داخل الذاكرة الشعرية المشتركة.
في هذا الإطار، لا
يكون التشابه علامة نقص أو تعدٍّ، بل دليل انتماء إلى حساسية جمالية واحدة، تختلف
فيها المناخات بتغيّر الفصل والرؤية: انفتاح وخفة عند إيسا مع ريح الربيع، في
مقابل انقباض ومفارقة جسدية عند ريوكان مع ريح الخريف. المشترك هنا هو العالم
المرئي، لا النص المرجع.
حين يُساء
تأويل التشابه النصي
في كثير من
القراءات العربية، يُستدعى مفهوم التناص بوصفه أداة إدانة لا أداة فهم. فيُحوَّل
التشابه النصي إلى تهمة، ويُفصل النص عن شروط إنتاجه الثقافية، وعن طبيعة الهايكو
نفسه بوصفه شعرًا يقوم على المشهد، والإنصات، والتقاط اللحظة العابرة.
في المقابل، لا
يُنظر في الثقافة اليابانية إلى هذا النوع من التقاطع بوصفه عيبًا أو سرقة، بل
باعتباره جزءًا من تداول حساسيّة شعرية مشتركة، ومن تقليد فني يقوم على الإصغاء
للعالم قبل السعي إلى التفرد الشكلي.
أفق السلسلة
ومسارها
ستنطلق هذه
السلسلة من مثل هذه الأمثلة لتفكيك مفهوم التناص في الهايكو، بعيدًا عن الإسقاطات
الأخلاقية أو المعيارية، وبقربٍ من فلسفة الهايكو بوصفه شعرية لا تحتمل منطق السوق
ولا صراعات الملكية، بل تنفتح على جماليات إنسانية عابرة للحدود، تتجاوز
الاصطفافات والخرائط الضيقة.
وفي هذا الإطار، سنعرض، على الأقل، لأربعة أسباب وسياقات لها علاقة بتشابه نصوص الهايكو عند الهايجين المكرَّسين قديمًا وحديثًا، مع التوقف عند كيفية النظر إلى هذا التشابه داخل ثقافة الهايكو الخالصة في بلاد المنشأ، وما يُعرف فيها بتقنية الهونكادوري (Honkadori).
الورقة إياها ليست خاتمة في الموضوع، بل مدخلًا ضروريًا لإعادة ضبط الأسئلة، وتهيئة القارئ لمقاربات لاحقة ستتناول التناص من زوايا أخرى، تطبيقية ونقدية.
