إعلان الرئيسية

الصفحة الرئيسية بانيا ناتسويشي يقرأ العالم من الجهات الأربع: عبد الجابر حبيب

بانيا ناتسويشي يقرأ العالم من الجهات الأربع: عبد الجابر حبيب

حجم الخط

عبد الجابر حبيب- سوريا

بانيا ناتسويشي يقرأ العالم من الجهات الأربع




هايكو العالم: أصيلة 22 اكتوبر 2026



مداخلة بانيا ناتسويشي في قراءة عبد الجابر حبيب

في سياق متابعة مداولات المؤتمر العالمي الثاني عشر للهايكو، المنعقد في طوكيو في أكتوبر 2026، ننشر هذه القراءة لعبد الجابر حبيب في مداخلة بانيا ناتسويشي حول الهايكو العالمي والجهات الأربع.

يتناول المقال أبرز الأفكار التي طرحها بانيا، كما يستحضر أمثلة من الهايكو العالمي، ويتوقف عند ما تثيره من أسئلة حول العلاقة بين الجغرافيا والثقافة والتجربة الشعرية، وحدود انتشار الهايكو خارج منبته الياباني.

 

الهايكو بين الجذور اليابانية والأفق العالمي:

لم يغادر الهايكو اليابان ليكون شكلاً شعرياً عابراً في لغات العالم؛ لقد حمل معه ذاكرة جمالية تشكّلت عبر قرون من الإصغاء إلى الطبيعة، والتقاط اللحظة الهاربة، وتكثيف ما يتجاوز الكلمات في كلمات قليلة، ومن حق اليابان أن تفخر بهذا الإرث، ومن حق شعرائها أن يعتزوا بفنّ تجاوز حدود بلاده حتى غدا تجربة شعرية عالمية. انتشار لا ينتقص من جذوره، وإنما يكشف عن قدرة هذه التجربة على الإخصاب والتجدد.

 

لكن ماذا يحدث حين يعبر الهايكو إلى ثقافات مغايرة، تختلف في علاقتها بالطبيعة، وفي رؤيتها للذات، والعالم؟ هل تظل ملامحه واحدة، أم تتبدل رؤيته بتبدل البيئات والتجارب؟

في كلمته خلال المؤتمر الثاني عشر للهايكو، يفتح الهايجن الياباني بانيا ناتسويشي هذا السؤال على أفق واسع، مستعيناً بنماذج من "الهايكو العالمي" ليتأمل الفروق بين الشرق والغرب والجنوب والشمال، ثم يتجاوز هذه التقسيمات إلى نصوص تتخطى الجغرافيا نحو أسئلة الإنسان، والوجود.

 

لا يقدّم السيد  بانيا خريطة جامدة للهايكو، بقدر ما يلفت النظر إلى اختلاف النبرات، والرؤى. ففي قراءته، يميل هايكو الشرق إلى الانسجام بين الإنسان والطبيعة، بينما تكشف نماذج من هايكو الغرب عن عزلة الفرد، واشتداد وعيه بذاته. أما الجنوب، فتتجاور فيه صور الخراب والفردوس، في مفارقة تجمع قسوة الواقع، وفتنة المشهد.

 

حقيقة، إنها ملاحظات تضيء وجوهاً من التجربة العالمية، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى أحكام نهائية؛ فالجهات الأربع ليست قوالب تحبس الشعراء، بل مداخل لفهم ما تتركه البيئات، والثقافات من أثر في الكتابة. الأهم في طرح بانيا أنه ينطلق من نصوص بعينها، لا من تصورات نظرية منفصلة عن التجربة الشعرية.

 

الغرب: حين لا تكفي الوفرة لردم العزلة

يستشهد بانيا بنص للشاعر الأمريكي ديفيد بوير:


بفخذيها الفاتنتين

القمر المتعرّق

يحطّم كل الصحون


نص غرائبي، تتشابك فيه الجاذبية الجسدية مع قمر متعرّق وفعل تحطيم مفاجئ. لا نستقر أمام مشهد طبيعي مألوف، بل ندخل صورة مشحونة بالتنافر والانزياح، تتجاور فيها الحسية، والعنف، والسخرية.

وفي سياق قراءته، يلفت بانيا إلى أن هذه النصوص لا تتباهى بالوفرة المادية التي حققتها المجتمعات الغربية المتقدمة؛ بل تتقدم فيها العزلة الخاوية، في ظل اشتداد الوعي بالذات، وتراجع التواصل السعيد بين الكائنات.

هنا تتجاوز الملاحظة حدود النص الواحد لتلامس مفارقة الحضارة الحديثة: قد تتسع الأشياء من حول الإنسان، فيما تضيق المسافة بينه وبين عزلته. غير أن هذه الرؤية تظل مدخلاً للقراءة، لا حكماً على الهايكو الغربي كله؛ فالنصوص لا تُختزل في جواز سفر أصحابها، وإنما تُقرأ أيضاً في علاقاتها الداخلية، وفي قدرتها على تحويل التجربة إلى بناء شعري.


الجنوب العربي: خصوصية المشهد واتساع الدلالة

في العدد الثالث عشر من "الهايكو العالمي"، الصادر سنة 2017، يرد هذا النص للشاعر المغربي سامح درويش:

 

لَوهلة

الطاووس وظلّه

معاً بالألوان

 

تنبع قوة النص من انزياح بصري دقيق: فاللون لا يظل حبيس ريش الطاووس، بل يمتد إلى ظله أيضاً. وفي هذه اللحظة القصيرة، يتحول الظل من تابع للجسد إلى شريك في المشهد، وتتوزع الألوان بين الأصل وأثره.

 

إنه نص لا يحتاج إلى تفسير مطوّل؛ فالعلاقة بين عناصره تنهض أمام العين، وتترك للقارئ متعة اكتشافها. وهو يذكّرنا بأن خصوصية التجربة لا تعني بالضرورة أن تكون دلالتها محصورة في مكان بعينه؛ فقد ينطلق النص من بيئته، ثم يجد طريقه إلى قارئ لم يعرف تلك البيئة قط.

 

ومن العدد الثاني والعشرين من "الهايكو العالمي"، الصادر سنة 2026، يختار بانيا نصاً للشاعر العراقي عبد الكريم قاصد، المقيم في المملكة المتحدة:

 

يا لنباهة رولان بارت

يتحاشى حتى النملة في الشارع:

مات وقد صدمتْه شاحنة


يقوم النص على مفارقة سوداء تستثمر معرفة القارئ برولان بارت، الذي مات متأثراً بحادث دهس سيارة عام 1980. فالحذر الذي يصل إلى تجنب النملة ينقلب إلى نهاية مأساوية تناقضه؛ ومن هذه المسافة بين التحاشي والمصير تنبثق السخرية.

 

هنا لا يتأسس الهايكو على مشهد طبيعي وحده، بل على تفاعل الشارع مع الذاكرة الثقافية، وعلى قدرة المفارقة على اختزال حكاية كاملة في لحظة صادمة. وهذا أحد وجوه الهايكو العالمي: أن تتسع مادته لتجارب الإنسان وثقافته، من غير أن يفقد شرط التكثيف والاقتصاد.

 

حين تتجاوز القصيدة الجهات الأربع

لا يقف بانيا عند الفروق الجغرافية، بل يورد نصوصاً يرى فيها انفتاحاً على تجربة إنسانية أوسع.

في العدد الأول من "الهايكو العالمي"، الصادر سنة 2005، نقرأ للشاعرة البلغارية ألكسندرا إيفويلوفا:


الألم فيه اللانهاية


عبارة مقتضبة تدفع الألم إلى تخوم اللامتناهي، من دون أن تستند إلى مشهد طبيعي ظاهر. إنها تطرح سؤالاً عن قدرة الهايكو على مغادرة المحسوس إلى التأمل الوجودي، وعن المسافة الفاصلة بين التكثيف الشعري والفكرة المجردة.

وفي العدد الحادي عشر، الصادر سنة 2015، يرد للشاعر البرتغالي كازيميرو دي بريتو:


 أجلس على الرمل

أغمض عينيّ

وأتأمل العالم، موسيقاه

 

يبدأ النص من الرمل، من تماس الجسد بالمكان، ثم ينتقل إلى إغماض العينين، قبل أن ينفتح على العالم وموسيقاه. وكأن تعطيل البصر لا يلغي الرؤية، بل يحررها للإصغاء. هنا تتداخل الحواس، ويتجاور المشهد الملموس مع التأمل، من غير أن تُمحى نقطة البداية الحسية.

 

بهذه النماذج، يوسّع بانيا أفق قراءته: ليست الجغرافيا نهاية الشعر، ولا تكفي وحدها لتفسيره. فهناك لحظات تتجاوز حدود المكان لتلامس الألم والتأمل والوجود، من دون أن تفقد بالضرورة أثر التجربة التي أنجبتها.

 

بانيا ناتسويشي: الكثرة ليست لانهاية

يبلغ تأمل بانيا ذروته في نص من كتابته، استلهمه من زيارته للهند، وما أثارته في نفسه من تفكير في الكائنات التي لا تُحصى، وفي المسافة بين الكثرة واللانهاية:

 

ما لا يُحصى

لا يبلغ اللانهاية —

جروف من الحجر الرملي

 

لا يساوي ما يتعذر إحصاؤه ما لا نهاية له. تلك هي المفارقة التي يضعها النص في قلبه؛ فالكثرة، مهما اتسعت، تظل محكومة بحدود الوجود، فيما تتطلع فكرة اللانهاية إلى ما يتجاوز تلك الحدود.

 

لكن بانيا لا يترك الفكرة معلقة في التجريد، بل يردّها إلى جروف الحجر الرملي، إلى مشهد طبيعي له مادته وامتداده وزمنه. ومن التقاء الفكرة بالمشهد تنشأ المسافة الشعرية التي تتيح للقارئ أن يتأمل المحدود وهو يواجه ما لا يستطيع الإحاطة به.

 

في هذا النص، لا يكتفي الهايكو بتسجيل لحظة عابرة، بل يختبر قدرته على حمل سؤال فلسفي، مع الاحتفاظ بصلته بالعالم المحسوس. وهنا تتجلى جرأة التجربة المعاصرة: أن توسّع مجال الهايكو من غير أن تتخلى عن ضرورة الصورة، وأن تجعل الطبيعة مدخلاً إلى التفكير، لا مجرد خلفية تزيينية له.

 

جذور يابانية وأجنحة عالمية

ما يطرحه بانيا ناتسويشي ليس مفاضلة بين هايكو وآخر على أساس الجغرافيا، بل دعوة إلى الإصغاء لتعدد التجارب، واكتشاف ما يميزها وما يجمعها. فالشرق ليس صوتاً واحداً، والغرب ليس عزلة مطلقة، والجنوب ليس صورة ثابتة بين الخراب والفردوس. إنها ملامح محتملة، تكشفها النصوص ولا تستنفدها.

ومن هنا، فإن الاعتزاز باليابان لا يتعارض مع الاعتراف بحق الثقافات الأخرى في الإبداع. بل إن عالمية الهايكو نفسها تعيدنا إلى قيمة منبعه: لقد استطاع هذا الفن أن يعبر اللغات لأنه لم يكن مجرد قالب قصير، بل طريقة في الانتباه إلى العالم، وفي منح التفاصيل الصغيرة قدرة على فتح المعنى.

ليس مطلوباً من الشاعر العربي أن يستعير المشهد الياباني كي يكتب هايكو؛ يستطيع أن يبدأ من بئر القرية، أو من أثر عربة في طين الخريف، أو من طائر يعبر أرضاً يابسة. لكن حرية المشهد لا تعني أن كل نص موجز هايكو، ولا أن الانتساب إلى هذا الفن يُحسم بعدد الأسطر. فالخصوصية لا تُكتسب بتغيير المكان وحده، بل بقدرة الشاعر على بناء لحظة شعرية ذات كثافة وضرورة، تترك للقارئ مجالاً لاكتمالها في ذهنه.

لقد منحت اليابان العالم هذا الإرث، ومن حقها أن تفخر به؛ لا لأنه بقي محصوراً فيها، بل لأنه استطاع أن يوقظ الشعراء في جهات الأرض كلها. وتأتي قيمة كلمة بانيا ناتسويشي من أنها لا تكتفي بالاحتفاء بهذا الانتشار، بل تتأمل تحولاته، وتقرأ اختلافاته، ثم تذكّرنا بأن الشعر أوسع من الخرائط التي نحاول رسمها له.

فالهايكو ياباني الجذور، عالمي الامتداد؛ وكلما اتسعت أغصانه، ازدادت الحاجة إلى معرفة جذوره، لا لتقييد نموه، بل لفهم القوة التي جعلته قادراً على الوصول إلى العالم.


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق