إعلان الرئيسية

الصفحة الرئيسية أين تبدأ حدود الهايكو؟: شاهاز يوسف-سوريا

أين تبدأ حدود الهايكو؟: شاهاز يوسف-سوريا

حجم الخط

     

شاهناز يوسف - سويا        


هايكو العالم: 30 شتنبر2026


أين تبدأ حدود الهايكو؟

في هذه الورقة، تفتح شاهناز يوسف نقاشا حول حدود الهايكو المعاصر، انطلاقا من الحوار الذي أجراه هايكو العالم مع الهايجن الياباني بانيا ناتسويشي، والذي قال فيه إن «الهايكو هو جوهر كل الشعر»، وتحدث عن الهايكو المعاصر وتجدد رؤيته وتحرره من بعض القوالب الموروثة.م: شاهناز یوسف 

وتطرح الكاتبة سؤالا نقديا: إلى أي مدى يمكن للهايكو أن يبتعد عن المشهد، وتتسع فيه سلطة المجاز والخيال، دون أن تتغير هويته النوعية؟

للاطلاع على الحوار:

https://www.haikuworld24.com/2025/05/banya-natsuishi.html

 --

إذا كان الهايكو «جوهر الشعر»… فأين تبدأ حدوده؟
في حوار مع «هايكو العالم»، يقول بانيا ناتسويشي إن «الهايكو هو جوهر كل الشعر»، ويدافع عن هايكو معاصر لا يكرر النموذج القديم، بل يجدد نفسه في الإيقاع والموسيقى والرؤية، ويفتح المجال أمام أشكال واسعة من الخيال والتخييل.

هذه الرؤية تفتح باباً مهماً للنقاش، لا حول قيمة نصوص بانيا، ولا حول أحقيتها في أن تسمى هايكو، بل حول سؤال أكثر جوهرية:
إذا اتسعت مساحة الهايكو إلى هذا الحد، فما الذي يبقى من خصوصيته؟
عند قراءة بعض نصوص بانيا، نجد أن المشهد حاضر أحياناً، لكن الخيال أو المجاز يتقدمان عليه بسرعة، بل يصبحان في بعض النصوص مولدي الصورة نفسها.
في نص:


الأمواج العالية
تذكرني بأبي
الذي مات سكراناً


هناك مشهد واضح، ومنه تنفتح الذاكرة على تجربة شخصية. المشهد ما زال قائماً، والانتقال إلى الأب جاء من داخله.
لكن في نص آخر:


قوس قزح
يشبه جداً
أمعائي الغليظة


لا يعود المشهد هو المركز وحده، فالتشبيه هو الذي يقود الصورة.
وفي:


الدماء التي تسقط
وتتطاير في أنحاء الكون
هي دموع الآلهة


تبدأ الصورة من الدماء، لكنها تغلق بتفسير مجازي لها.
أما:


حبة سمسم عملاقة
تنشق
وتلد امرأة عجوزا


فهنا لا نعود أمام مشهد واقعي جرى التقاطه، بل أمام مشهد تخييلي كامل تصنعه المخيلة.
وهذا يقودني إلى التمييز بين أمرين:
الخيال الذي يولد من المشهد، والخيال الذي يستبدل المشهد.
أنا لا أرى أن المجاز أو التشبيه أو الخيال ممنوع في الهايكو. لكن السؤال يبدأ عندما لا يعود المشهد هو نقطة الانطلاق، بل يصبح مجرد مادة تستعمل للوصول إلى فكرة أو صورة ذهنية أو مفارقة.
لذلك أعود إلى قاعدة أراها أساسية في تجربتي مع الهايكو:
المشهد هو صاحب البيت، والمجاز ضيف.
يمكن للضيف أن يكون جميلاً،و مدهشاً، وحتى ضرورياً أحياناً، لكن إذا أصبح هو صاحب البيت، تغير مركز النص.

المشكلة إذن ليست في أن يستخدم الهايكو الخيال والمجاز، بل في أن يتجاوزا المشهد الذي ولدا منه، فيصبح المشهد ذريعة للمجاز بدل أن يكون المجاز وليداً للمشهد.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً، خصوصاً في التجربة العربية المعاصرة:
إذا فتحنا باب الهايكو لكل أدوات الشعر من استعارة وتشبيه ورمز وتجريد وتخييل وتأمل فلسفي، من دون معيار يحدد متى يبقى النص هايكو ومتى يتحول إلى قصيدة قصيرة، فما الذي يميز الهايكو عن القصيدة القصيرة؟
ليس كل نص قصير هايكو، كما أن كل نص جميل ومكثف لا يصبح هايكو بمجرد تقسيمه إلى ثلاثة أسطر.
قد يتطور الهايكو، وقد يتغير، وقد يتحرر من بعض القوالب القديمة، وهذا جزء طبيعي من تطور الفنون. لكن التطور لا يعني بالضرورة ذوبان الحدود.
ربما لا نحتاج إلى سورٍ مغلق حول الهايكو، لكننا نحتاج إلى علامة فارقة.

فبالنسبة لي، تظل هذه العلامة في مكان ما بين:
المشهد والفكرة،
الملاحظة والتأويل،
اللحظة والتأمل،
التكثيف والزخرفة.

وكلما ابتعد النص عن المشهد، واتسعت سلطة الفكرة والمجاز والخيال، يحق لنا أن نتوقف قليلًا ونسأل:
هل ما زلنا أمام هايكو يتطور، أم أمام قصيدة قصيرة استعارت اسم الهايكو؟
هذا السؤال لا ينتقص من التجارب المعاصرة، ولا يطالب بإعادة الهايكو إلى الماضي.
بل على العكس؛ إنه محاولة لحماية معنى الاسم نفسه.

لأنني أؤمن أن تجديد الهايكو لا يكون بإلغاء حدوده، بل باكتشاف مدى اتساعها من الداخل.
أرى أن جوهر النقاش هنا قوي جداً: ليس بانيا يستخدم المجاز إذن نصوصه ليست هايكو، بل: إلى أي مدى يستطيع الهايكو أن يبتعد عن المشهد قبل أن تتغير هويته النوعية؟

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق