إعلان الرئيسية

الصفحة الرئيسية هايكو مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة/ محمد بنفارس

هايكو مين ميكوز- لبنى منان: قراءة مقارنة/ محمد بنفارس

حجم الخط

محمد بنفارس- المغرب

 

حياة أنطولوجيا هايكو العالم 

من اليابان إلى المغرب

قراءة مقارنة

(2)

 






هايكو العالم: 4 غشت 2026


تقديم

بعد صدور أنطولوجيا هايكو العالم 1 – الجزء الأول (ماي 2026) والتي ضمت 70 هايجنا من العالم بمجموع 350 هايكو بلغاتها الأصلية وترجماتها، انطلقت حياة أخرى للأنطولوجيا بعد النشر لتجسد امتدادا نقديا لمادتها المتنوعة بغاية مواصلة الحوار مع النصوص بعد انتقالها إلى فضاء القراءة.


وقد خُصصت المحطة الأولى لمقارنة بين تجربة بريندون كينت (المملكة المتحدة) وتجربة سامح درويش (المغرب). أما هذه المحطة فتجمع صوتين نسائيين: الهايجن اليابانية مين ميكوز والهايجن المغربية لبنى منان.  على أننا في هذه الورقة لا ندعي تقديم دراسة شاملة للتجربتين، بقدر ما سنحاول اختبار قدرة شعرية المناخات المشهدية على الكشف عن وجوه الالتقاء والاختلاف بين نصوص تنتمي إلى بيئتين متباعدتين جغرافيا وثقافيا.

 

النصوص 

Mine Mukose- Japon














1

la fête des pères

l’odeur des cigarettes 

flotte dans le bureau

عيد الأب

في المكتب تموج

رائحة السجائر

2

nuit glaciale

la mousse de lait sur les lèvres

ليلة متجمدة

رغوة الحليب على الشفاه

3

l'automne s’en va

emportant tout ce qui est beau

يغادر الخريف

حاملا معه كل جميل

4

attendant le printemps

je feuillette des livres de botanique

في انتظار الربيع،

أتصفح كتبا بصورالنبات

5

premier rêve de l’année

l'étoile polaire que l'on ne peut 

 atteindre

أول حلم في السنة

نجمة القطب

البعيدة


لبنى منان (المغرب)


لبنى منان- المغرب

 

 











1

وِرْدُ الصباح،

من آنية الوضوء
تشرب العصافير

rose du matin-
les moineaux boivent
à l'eau des ablutions

2

بُرْدَةُ الليل،

الرقعة البيضاء البعيدة
قمر

fraîcheur nocturne -
au loin, une tache blanche :
la lune

3

جسر المدينة،
بمصباح خافت
ينتظرني الضباب

pont de la ville -
sous une lampe vacillante
le brouillard m'attend

4

سكون الليل،

أعمدة النور تحرس
المدينة النائمة

silence nocturne -
les réverbères veillent sur
la ville endormie

5

من قرنفلاتها

تبلسم الجدة
جرح الصغير

avec ses œillets
grand-mère soigne
la blessure de l'enfant

 

قراءة مقارنة

لا شك أن المسافة الجغرافية والثقافية بين اليابان والمغرب واسعة جدا، غير أن القراءة الأولى لهذه النصوص تكشف أن الهايكو لا يقيم حواره في مستوى المرجعيات الثقافية، بقدر ما يقيمه داخل المشهد نفسه. لذلك ستنطلق هذه المقاربة من النصوص، لا من أصحابها، ومن كيفية تشكل المشهد قبل الانتقال إلى ما ينتجه من مناخ وأثر.

 

§        المشهد... بين الأثر والعلاقة

لعل ما يلفت الانتباه عند مين ميكوز، منذ القراءة الأولى، أنها تبني مشاهدها انطلاقا من أثر الأشياء أكثر من الحضور الفعلي لتلك الأشياء:

عيد الأب

في المكتب تموج

رائحة السجائر

يلاحظ في هذا الهايكو غياب الأب وحضور رائحة السجائر العالقة في المكتب. لسنا بصدد سردية الذكرى ولا إعلان حزن، وإنما توظيف الرائحة لتقوم مقام الغائب، فتتحول إلى وسيط بين المكان والذاكرة.

في المقابل، نسجل أن لبنى منان تبني مشاهدها من العلاقات التي تنشأ بين الكائنات والأشياء:

 

ورد الصباح،
من آنية الوضوء
تشرب العصافير

 

في هذا الهايكو لا توظف "آنية الوضوء" كعنصر/ رمز ديني، وإنما كنقطة التقاء بين الإنسان والطائر عبر الماء. ما يبرز أن المشهد ينهض على التماس الذي تتيحه العلاقة بين الأشياء وليس على الشيء بحد ذاته.

ويمكن هنا الوقوف عند أول مؤشر اختلاف بين التجربتين: فبينما تنبع المشهدية عند مين من أثر الأشياء، تنبع عند لبنى من حركتها داخل الحياة.

 

§        المناخ... بين الصمت والألفة

من جانب آخر، يمكن أن نلاحظ أن المناخ عند مين لا يتولد من حدث أو واقعة، بل من إحساس عميق بمرور الزمن. فالخريف يغادر حاملا معه كل جميل (نص3)، والنجمة القطبية تظل بعيدة (نص 5)، والربيع لا يحضر إلا في انتظار طويل (نص 4).

لذلك يهيمن على هايكو مين شعور صامت ولكنه قوي بالعبور وإحساس بالفراغ، دون أن تتحول النصوص إلى خطاب رثاء أو حنين معلن على نحو مباشر.

أما عند لبنى، فالمناخ يبدو أكثر دفئا. الضباب ينتظر (نص 3)، وأعمدة النور تحرس المدينة (نص 4)، والجدة تضمد جرح الطفل (نص 5).

لذلك يبدو الصمت عند لبنى حركيا مأهولا بالحياة. لذلك تحضر الطبيعة في دور الشريك في بناء الطمأنينة والألفة.

فعلى مستوى المناخ الشعري، نستطيع تسجيل اختلاف ثان بين التجربتين فيما يتعلق بنبرة المناخ، وهي نبرة، وإن تباعدت في الكتابتين، لا تفسد في طبيعة الهايكو شيئا.

 

§        اللغة في التجربتين

تلتقي نصوص التجربتين في حرصها على الاقتصاد اللغوي، فلا فائض قول ولا تعليق يوجه القارئ، مع ملاحظة أن هذا الاقتصاد لا يسلك نفس الطريق:

ففي حين تميل لغة مين واضح إلى الحذف والترك (ellipse ) ، ما يمنح القارئ مساحة واسعة لإكمال الفراغ. تتجه لغة لبنى إلى ضخ حركة داخلية في المشهد باستعمال أفعال الحركة؛ الضباب ينتظر (3)، وأعمدة النور تحرس (4)، والعصافير تشرب (1). ومع ذلك تبقى لغة في حدود نقل الحدث وإقامة شبكة من العلاقات داخل المشهد دون تفسير أو تدخل.

 

 هل ثمة كتابة نسائية؟

من خلال هاتين التجربتين النسائيتين، هل ثمة ما يستدعي الحديث عن «هايكو نسائي»؟

إن نصوص كل من مين ولبنى تسمح بملاحظة حساسية مشتركة تقوم على الرهافة والإصغاء إلى التفاصيل والجزئيات وما هو هامشي في اليومي، وإعمال لغة الهمس بدل الصراخ أو الأنين المباشر. وهي سمات ومناخات شعرية موجودة في الهايكو بشكل عام بغض النظر عن جنس الهايجن. ولذلك لا يمكن القول بأنها تستمد مشروعيتها من كون الكاتبتين امرأتين.

ويبقى الحديث عن هايكو نسائي مسألة تتعلق بالذوق والذائقة والحساسية اتجاه هايكو يصدر من امرأة، وأيضا عما تمثله المرأة في مخيالنا الاجتماعي والثقافي وربما الشخصي.

 

خاتمة

تكشف هذه المقارنة السريعة بين نصوص من تجربتين شعريتين أن أنطولوجيا هايكو العالم لا تجمع نصوصاً متجاورة فحسب، بل تتيح إمكان قيام حوار جمالي بين تجارب تنتمي إلى جغرافيا وثقافات بعيدة. ومن خلال "شعرية المناخات المشهدية"، أمكننا استنتاج أن ما يوحد هذه النصوص وينتج الهايكو ليس الموضوع ولا اللغة ولا الثقافات، وإنما الطريقة التي يتحول بها المشهد العادي إلى مناخ مفعم بالشعر، وإلى أثر يتجاوز حدود الجغرافيات والثقافات.

وهكذا تستمر أنطولوجيا هايكو العالم بحياة جديدة بعد النشر كفضاء نابض بالحياة ومفتوح للمقاربات والحوارات.


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق