إعلان الرئيسية

الصفحة الرئيسية الهايكو في مقابل الكراهية الثقافية: محمد بنفارس

الهايكو في مقابل الكراهية الثقافية: محمد بنفارس

حجم الخط


محمد بنفارس- المغرب


هايكو العالم: 04 غشت 2026


الهايكو

في مقابل الكراهية الثقافية



 

 


يا أيها الحلزون
تسلّق جبل فوجي...
على مهل، على مهل


إيسا كوباياشي (1763-1828)  

 

 

من لقاء إلى سؤال

حضرتُ مؤخرا بطنجة لقاء ثقافيا حول موضوع: "دفاعا عن الحب، في مواجهة الكراهية، في زمن الرقمنة". وقد تناول المتدخلون أشكالا متعددة من خطاب الكراهية، وكيف تحول إلى صناعة تشتغل عليها دوائر محلية وعالمية ذات مصالح سياسية واقتصادية وإعلامية، حتى صار الحديث يدور عن "اقتصاد الكراهية" و"صناعة الكراهية" كآليتين لإنتاج الخوف، والتفاهة، والاستلاب والتبعية، وإدامة الصراعات، وتوجيه الرأي العام.

وأعترف أن اللقاء أجج لدي سؤالا آخر كان يشغل بالي منذ مدة له علاقة بموقع الثقافة ضمن خطاب الكراهية المتدحرج: هل تقتصر الكراهية الرقمية على الفضاء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي؟ أم أن لها وجها آخر، أقل ظهورا، لكنه حاضر في الدوائر الثقافية والفنية والأدبية والفكرية؟

وهل بإمكان الهايكو، كشعرية جديدة تعزز موقعا كل يوم في المشهد الثقافي العربي ، أن يلعب دورا في نشر الحب والتسامح والقبول والتواضع؟

 

الكراهية تتمدد للثقافة

حين يُذكر خطاب الكراهية، يتجه التفكير عادة إلى التحريض على أساس الدين أو العرق أو اللغة أو الهوية. غير أن الكراهية قد تسللت أيضا إلى الحقل الثقافي، ولكنها لا تقل أثرا وتدميرا.

ما يمكن معه الحديث أيضا عن الكراهية الثقافية كظاهرة باتت ممارسة معتادة في كثير من الأوساط الفكرية والفنية والأدبية.

والمقصود بالكراهية الثقافية تلك الممارسات التي تستهدف إقصاء منجز الآخر أو تبخيسه أو إنكاره، ليس بالاستناد إلى نقد معرفي أو جمالي، وإنما بدافع التعصب، أو المنافسة غير الشريفة، أو السعي إلى احتكار الاعتراف والمكانة داخل الحقل الثقافي.

إنها كراهية لا تتجلى بالصراخ أو الشتائم عادة، لكنها تقيم بصورة ناعمة وراء الأضواء والعناوين البراقة، وتمارس فعلها بالصمت والتستر والتجاهل المتعمد، وحجب الاعتراف، والتقليل من قيمة الأعمال الجادة، أو تلك التي تخرج عن النمطية والنماذج المستهلكة، أو تحويل الاختلاف في الفكر والذوق الجمالي إلى خصومات شخصية صامتة ولكنها مقلقة.

ولذلك، يمكن اعتبار الكراهية الثقافية من أخطر وأخبث أشكال الكراهية، لكونها تضرب الثقافة من داخلها، وتحطم قيم الإبداع والحوار والإنصاف والاعتراف.

 

الكراهية الثقافية: أفراد ومؤسسات

يلاحظ أن الكراهية الثقافية لا تمارس بالطريقة نفسها، بل تتمظهر في مستويين متكاملين:

1.     كراهية فردية: وتصدر عن شاعر أو أديب أو فنان أو مفكر أو إعلامي، بل وحتى عن شخص عادي، حين يعجز عن تقبل نجاح الآخر، فيلجأ إلى التبخيس، أو الإنكار، أو التشويه، أو التجاهل المتعمد. وهو سلوك غالبا ما يكون مدفوعا بالحسد، أو التعصب، أو وهم امتلاك الحقيقة والإبداع والجمال والريادة.

2.     كراهية مؤسسية: حين تتحول آليات العمل الثقافي إلى وسائل للإقصاء بدل أن تكون

أدوات للإنصاف. ويتجلى ذلك، مثلا، في اختلال معايير التغطية الإعلامية، أو في تنظيم التظاهرات الثقافية، أو في سياسات الدعم، أو في آليات التحكيم والانتقاء، أو في توزيع فرص النشر والاعتراف، عندما تغيب الكفاءة والشفافية وتحضر الولاءات والانتماءات الضيقة.

ولا يعني ذلك أن كل مؤسسة تمارس هذا النوع من التهميش، وإنما إن المؤسسات، مثل الأفراد، تتحول تدريجيا إلى فضاءات لإعادة إنتاج الكراهية الثقافية في غياب مبدأ العدالة الثقافية ودمقرطة تكافؤ الفرص.

ومن هنا، فإن مواجهة الكراهية الثقافية لا تنحصر في الإدانة على مستوى الأفراد فقط، بل تقتضي سياسات عمومية ترسخ ثقافة الاعتراف، والشفافية، والاستقلالية، والنزاهة في مختلف المؤسسات الثقافية والإعلامية.

 

بين النقد والإقصاء

وغني عن البيان أن كل اختلاف ليس كراهية، وكل نقد ليس عداء. فالنقد، كما ينبغي أن يكون، يقرأ العمل، يناقش أفكاره، وله أن يختلف معه بالحجة والبيان. أما الكراهية الثقافية فلا تنشغل بالعمل بقدر ما تنشغل بصاحبه، فتسعى جاهدة إلى إقصائه أو تهميشه أو إنكار أثره.

ولهذا فإن الثقافة التي يغيب فيها النقد الموضوعي وتستحكم فيها الشللية والمحسوبية، يتغول فيها الإبعاد والتغييب، وتنعدم فيها رائحة الإبداع.

 

الهايكو... ثقافة محبة

في جوهره وفي أبعاده الفلسفية والجمالية، نتعلم من الهايكو النظر إلى العالم بعين أكثر تواضعا وإنسانية. نتدرب على ملاحظة ما يغفل عنه الآخرون، وعلى اكتشاف الجمال في وجود الأشياء المتواضعة وفي أضعف الكائنات...

ومن البديهي، أن من يحس بزهرة برية، أو نملة عابرة، أو قطرة ندى، أو ورقة ساقطة ... يصبح أكثر استعدادا لاحترام الإنسان وإبداعه، وأكثر قدرة على الاعتراف بمنجز الآخر دون شعور بالتهديد أو فقدان المكانة.

وبناء على هذا الفهم، يرقى الهايكو إلى مرتبة التربية الجمالية والقيمية على المحبة، والاعتراف، والتواضع.

 

ثقافة الاعتراف

ومن نافلة القول، التأكيد على أنه ليس بوسع أي ثقافة في أي مكان من العالم، أن تنمو بالإنكار والتحييد الممنهج، وإنما بالاعتراف المتبادل وفسح المجال للأفكار المبادرة والطاقات المجددة. على أن الاعتراف بإبداع الآخرين لا ينتقص من قيمة أحد، بل يعزز الثقة في النفس، ويجعل الاختلاف موقفا بناء لا مادة تغذي العداء.

فالمشهد الثقافي الذي يتسع للأصوات المتعددة والمبدعة حقا يكون أكثر قدرة على الخلق والتجديد من مشهد يتكرر تتحكم فيه الحسابات الضيقة وغياب الشفافية في آليات الاختيار ودعم المشاريع.

 

خلاصة

الإنسانية اليوم مدعوة إلى مقاومة خطاب الكراهية الذي احتل الفضاء الرقمي والسياسي والاجتماعي، كما أنها مدعوة أيضا إلى محاصرة تمدد الكراهية الثقافية في مجال ينبغي أن يبقى نقيا خالصا للإبداع والقيم العالية.

فالهايكو، كما أحسبني أفهمه، رؤية فلسفية للعالم، تعلي من قيمة الحياة، وتنمّي شعور التعاطف، وتفتح باب الإحساس والقبول بصدر رحب بوجود الآخر مهما كان صغيرا وهامشيا أو مختلفا لا يشبهنا.

وتبعا لذلك، فعندما نعمل على تقديم فن الهايكو كطريق مضيئ بالجمال والشعر، فإنما ننادي بإرساء ثقافة المحبة والقبول، في مواجهة كل أشكال الكراهية... ومنها الكراهية الثقافية.

 

مساء ضبابي -
في نظرة الطفل
يبرق الغد Haut du formulaire

محمد بنفارس (هودج الرحيل)

__

ملحوظة

وصلني في وقت لاحق عن طريق أصدقاء، وفي نفس الإطار الثقافي  وبمناسبة أمسية شعرية، خبر  صب وابل من الهجاء والتحقير لفن الهايكو كموضة دخيلة على الثقافة العربية وكنص لقيط  لايمكن أن  يرقى لمقام  وعمق القصيدة العمودية والنثرية. وهو أمر مؤسف جدا  أن تصدر مثل هذه المواقف من مجمع شعري ، بحضور" شعراء كبار"،  يزعم تجنده لمواجهة زحف الكراهية الرقمية، ولكنه مقتنع حتى النخاع  باختياره  الأوحد إلى حد إعدام الأنواع الأخرى وكل ما هو جديد لا يصب في دائرة  ذائقته.


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق