إعلان الرئيسية

الصفحة الرئيسية اللطف عند بريندون كينت وسامح درويش: محمد بنفارس

اللطف عند بريندون كينت وسامح درويش: محمد بنفارس

حجم الخط

 

محمد بنفارس- المغرب
هايكو العالم: فاتح يوليوز 2026


اللطف في الهايكو

بريندون كينت وسامح درويش

مقاربة مقارنة


1/ اللطف في الهايكو

يعتبر اللطف أحد المناخات التي صاحبت الهايكو منذ نشأته. ففي كثير من نصوص المعلمين الكبار[1] وخاصة لدى كوباياشي إيسّا، يتبدى الكون فضاءً للتعايش والإنصات والتعاطف مع الكائنات الهامشية والأشياء الصغيرة، فلا مجال للتصادم أو العنف أوحب السيطرة.

واللطف، في الهايكو، ينبثق من المشهد نفسه دون قصدية وسبق إصرار، ومن الطريقة التي ينظر بها الهايجن إلى العالم دون تدخل. فالهايكو لا يجعل من اللطف موضوعا، كما أنه لا يتمظهر في صورة خطاب أخلاقي أو بكائيات مباشرة، إنه إحساس وأثر يستشعر من خلال تفاصيل يومية بسيطة وعابرة.


وتشكل نصوص الهايجن البريطاني بريندون كينت والهايجن المغربي سامح درويش، المختارة من الجزء الأول من «أنطولوجيا هايكو العالم 1»[2]، مدخلا للتساؤل عن تجليات اللطف في تجربتين مختلفتين جغرافيا ولغويا وثقافيا: كيف يتولد مناخ اللطف من المشهد؟ وكيف يستطيع الهايكو، عبر تفاصيل صغيرة، أن يلامس إحساسا إنسانيا مشتركا؟


هايكو: بريندون كينت (1958- 2024)

براعم أولى -

حفيدتنا تعد

على أصابعها

first buds

our grandchild counts

on all her fingers

 

ذوبان الربيع -

لا شيء

لنختلف عليه

spring thaw

nothing remains

to argue about

 

قمر مكتمل ...

قطرة من جليد

تضيء

cold moon

an icicle dripping

its light

 

الطفل بداخلي

يخطو

مع أول ثلج

my inner child

stepping

on first snow

 

لا حاجة لكلمة أخرى

يا ساكورا

not needing to say another word sakura

 

  هايكو: سامح درويش / المغرب (1957)

علَى حافة البئر،
الدّلو
يملؤه المطر.

au bord du puits,
le seau se remplit
de pluie

 

حصَواتُ الوادِي،
لمْ يصْقَلْها
سوَى حنَانِ الماءْ.

les cailloux de l’oued,

polis
par la seule tendresse de l’eau.

 

الجدْول الصّغير،
جفّ الماءُ
ولمْ يجِفّ الخَريرْ.

le petit ruisseau,
l’eau a séché
le murmure demeure.

 

منَ النّبْع،
أحْفنُ وجْهي
وأشَرَبْ.

à la source,
je puise mon visage
et bois

 

تحت المطر،
في كفٍّ مفتوحة
ترتعش قطرة

sous la pluie,
dans la paume ouverte
une goutte frissonne

 

2/ التجربتان على ضوء شعرية المناخات المشهدية

تقوم شعرية المناخات المشهدية، فيما تقوم عليه، على الإنصات إلى ما يتيحه المشهد من مناخ شعري، دون إنزال أو تدخل عن طريق التفسير أو التأويل.

فهايكو بريندون كينت يتيح مشاهد هادئة تنبض بالحميمية: حفيدة تعد على أصابعها براعم الربيع الأولى، طفل داخلي يخطو فوق أول ثلج، أو خلافات يذيبها ذوبان الربيع كما يذيب الثلج.

أما عند سامح درويش، فالمشهد ينبثق من علاقة حميمة بالطبيعة والماء: دلو يملؤه المطر، حصوات صقلها حنان الماء، جدول جف ماؤه وبقي خريره، أو قطرة ترتعش في كف مفتوحة.

يلاحظ في التجربتين الكتابيتين أنهما يستبعدان التعامل مع المجرد، فيعتمدان على المشهد الحسي الذي هو أساس الهايكو الذي يفتح أمام المتلقي أفقا من العلاقات والإيحاء.

 

3/ تجليات شعرية اللطف في التجربتين

يظهر اللطف عند بريندون كينت في صورة سلم ومصالحة مع العالم:

ذوبان الربيع -

لا شيء

لنختلف عليه


ما نلمسه: غياب أي إشارة إلى التهديد وروح التصادم: نحن بواقع مشهد طبيعي يفضي إلى مناخ من السكينة والصفاء الداخلي. وكأن ذوبان الثلج الصامت يذهب معه ما تراكم من قلق وتوتر.

 

ويتجلى اللطف أيضا في علاقته بالطفولة:

براعم أولى -

حفيدتنا تعد

على أصابعها

 

 

في هذا الهايكو نلمس دهشة طفولية تنبثق من نظرة الحفيدة إلى حدث ولادة الزهور.

 

أما عند سامح درويش، فإن اللطف يستشعر في العلاقة الحميمية بين الهايجن والماء:

حصَواتُ الوادِي،
لمْ يصْقَلْها
سوَى حنَانِ الماءْ.


 

قد يبدو هذا المشهد من الطبيعة عاديا، لكن وقع كلمة "حنان" ينقل العلاقة من مستوى الوصف السطحي إلى مستوى التلقي الشعوري، دون السقوط في فخ المبالغة أو التفسير. ذلك أن الماء لا ينحت أثره على الحجارة بالسطوة والعنف، بل بالرفق والاستمرار.

وفي نص آخر له:

تحت المطر،
في كفٍّ مفتوحة
ترتعش قطرة

 

 

لا شيء خارق يحدث، لكن المشهد في كليته ينهض على الهشاشة والإنصات إلى أصغر جزئية في اهتزازها المرهف.

 

من جانب آخر، يلاحظ أن كل من بريندون ودرويش استبعدا الصنعة وألاعيب اللغة لبلوغ الأثر الوجداني موضوع هذا المقال، فجاءت اللغة عندهما بسيطة ومقتصدة، لغة أحجمت ما أمكن عن التصريح لتترك مهمة الإيحاء للمشهد بعناصره المتوالفة.

 

4/ الهايكو فن جامع

ولعل أهمية اختيار المقارنة بين هاتين التجربتين تكمن في أنها تكشف قدرة الهايكو على تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية كفن جامع في الاختلاف.

فبريندون يكتب من مناخ بريطاني يكسوه الثلج والجليد وطقوس الفصول الباردة، بينما يكتب درويش من بيئة متوسطية دافئة يكتسي فيها الماء مادة شعرية تتصدر المشهد.

ورغم التباينات الطبيعية، يلتقي الكاتبان عند الحساسية نفسها: التفاعل مع الجزئيات الصغيرة العابرة، والإنصات بحميمية إلى نبض العالم المحيط من دون نية السيطرة عليه أو رغبة في تفسيره.

فاختلاف المواقع الجغرافية والثقافية، كما نرى، يعزز المشترك الإنساني، ويضفي عليه أشكالا مختلفة وتجليات متعددة.

 

5/ الهايكو بوجدان كوني

تكشف النصوص التي عرضنا لها، أن الهايكو نوع عابر للجغرافيا والثقافات، وحامل لمشاعر إنسانية مشتركة، إذ لا هايكو أجوف بدون وجدان.

فالطفولة التي تتفاعل مع الربيع بدهشة، والماء الذي يصقل الحصى بحنان، والقطرة المرتعشة في كف مفتوحة، كلها مشاهد بمناخات يمكن أن تجد صداها الوجداني لدى أي قارئ في أي بقعة من العالم.

مشاهد صغيرة بلحظات عابرة، ولكنها تكشف جماليات وقيما إنسانية كبرى: اللطف، والسكينة، والتعاطف، والقدرة على الرجفة.

 

6/ خاتمة

نخلص إلى أن العينات من نصوص بريندون كينت وسامح درويش تكشف أن اللطف شعور إنساني لا جنسية له. كما لا يمكن أن يكون موضوعا يتم إلباسه للهايكو عبر التدخل والتوجيه والتكلف. فاللطف بالذات مناخ هايكوي يتولد من طريقة النظر إلى العالم والعلاقة مع/ بالأشياء.

ومن خلال مشاهد بسيطة ولغة تبدي أكثر مما تقول، ينجح الهايجن، كل بحساسيته، في تحويل تفاصيل يومية عابرة إلى لحظات إنسانية مشتركة. ما يجعل الهايكو، رغم اختلاف بلدان ولغات وثقافات تداوله، يظل فرصة للفرح والمتعة، وفضاءً للقاء والتواصل والحوار بين الناس.


[1] باشو (1644-1694)، بوسون (1716-1784) إيسّا (1763-1828) وشيكي (1867-1902)


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق