إعلان الرئيسية

الصفحة الرئيسية الهايكو-حدود الموهبة والممارسة: محمد بنفارس

الهايكو-حدود الموهبة والممارسة: محمد بنفارس

حجم الخط

 

محمد بنفارس-المغرب


هايكو العالم: فاتح يوليوز 2026

الهايكو

حدود الموهبة والممارسة



تمهيد وإشكالية

 

قبل الخوض في النقاش قد يكون من المفيد التذكير بأن الهايكو ارتبط منذ نشأته الأولى بالتعلم والممارسة الجماعية. فالمعلمون الكبار، من باشو إلى بوسون وإيسّا وشيكي، فبالإضافة إلى إرث ضخم من النصوص، أسسوا حلقات وجماعات ومدارس جعلت من الحوار والقراءة والتصويب طريقا لصقل التجربة الهايكوية. ما يجعل سؤال الموهبة والممارسة في الهايكو أعمق مما يوحي به ظاهره.

حين طرح "هايكو العالمH W" في صفحته على فيسبوك موضوعا للنقاش المفتوح: هل يعتمد الهايكو على الموهبة أم على الممارسة؟ بدا الأمر كما لو أننا بصدد موقفين متقابلين. غير أن التفاعلات الواردة من هايجن وقراء ومهتمين قادت النقاش إلى سؤال أكثر إفادة: ما الذي يجعل بعض الهايجن يتطورون، بينما يبقى آخرون في مربع التدوير والتكرار رغم سنوات من الكتابة وطول مسار؟

 

الموهبة وحدها لا تكفي

كان أول ما لفت الانتباه في التفاعلات مع موضوع النقاش هو غياب الترافع على الموهبة كعامل أساس في بناء التجربة الهايكوية.

صحيح أن عددا من المشاركين تحدثوا عن الحساسية الخاصة، أو الشرارة الأولى، أو القدرة على التقاط التفاصيل التي قد لا ينتبه إليها الآخرون، لكن أحدا لم يعتبر هذه المزايا كافية لبناء تجربة ناضجة.

فالاستعداد الأولي قد يمنح بداية جيدة، لكنه لا يعفي من خصلة التعلم والقراءة والمراجعة. وكثيرا ما تتوقف بعض البدايات اللافتة عند حدود معينة عندما لا تواكبها عملية مستمرة من التطور، ولنا في عالم الهايكو أمثلة كثيرة.


الممارسة ليست ضمانة للتطور

وإذا كانت الموهبة وحدها غير كافية، فإن الممارسة بدورها ليست وصفة سحرية.

وقد تكررت في أكثر من مداخلة الإشارة إلى مفارقة مألوفة في عالم الهايكو: هناك من يكتب مئات النصوص وأكثر دون أن يطرأ تحول واضح على تجربته، في حين يحقق آخرون تقدما ملحوظا خلال فترة قصيرة.

ويبدو أن المشاركين في النقاش يميزون، بصورة واعية أو ضمنية، بين إسهال الكتابة وبين الخبرة الفعلية. فالتكرار وحده لا ينتج التطور ما لم يكن مصحوبا بالمراجعة والتأمل وإعادة النظر فيما نكتبه.

 

القراءة ليست نشاطا جانبيا

ولعل من أكثر الأفكار حضورا في النقاش التأكيد على أهمية القراءة. فعدد من المشاركين ربطوا تطور الهايجن بقراءته للنصوص الجيدة، واطلاعه على تجارب متنوعة، وانفتاحه على ما يكتبه الآخرون.

على أن القراءة لا تنحصر في بالتزود المعلومات، بل تعتبر جزءا من عملية الكتابة نفسها. فالكاتب يتعلم من نصوص الآخرين كما يتعلم من ممارسته الخاصة، ويكتشف عبر القراءة والاطلاع إمكانات جديدة للرؤية والتعبير.

 

التعلم أهم من التكرار

تفريغ مختلف المداخلات أظهر خيطا مشتركا: التطور لا ينتج عن التكرار وحده، بل عن التعلم.

ما يعني أن الممارسة تصبح منتجة عندما تدفع الكاتب إلى اكتشاف أخطائه، ومراجعة تصوراته، وتوسيع أفقه الجمالي. أما حين تتحول إلى إعادة إنتاج لما وصل إليه مسبقا، فإنها تفقد قدرتها على صناعة الخبرة. وتحقيق التطور.

ولهذا برزت في النقاش مفاهيم مثل: التواضع المعرفي، الانفتاح، حب التعلم، وتقبل النقد. وهي مفاهيم مختلفة لكنها تشير إلى الاتجاه نفسه: الاستعداد الدائم لمراجعة الذات.

 

النقد رافعة للارتقاء

أظهرت مداخلات كثيرة أن التطور لا يحدث في العزلة الكاملة والانكفاء على الذات.

فالإنصات إلى الملاحظات، ومناقشة النصوص، والاطلاع على وجهات نظر المختلفة والاحتكاك بالآخر، كلها عناصر تساعد الكاتب على رؤية ما قد لا يراه بمفرده.

ما يؤكد، مرة أخرى، أهمية الورشات، والحوارات الهايكوية، ومساحات النقاشات والقراءت المشتركة، لأنها تفتح أمام الهايجن إمكانات جديدة للتعلم تتجاوز حدود تجربته المنعزلة.

 

قبل الموهبة والممارسة: ماذا نكتب؟

والجدير بالملاحظة أن النقاش لم يتوقف عند هذه النقطة. فقد لفتت بعض المداخلات الانتباه إلى مسألة أخرى ربما تشكل عمق الإشكال: هل نتفق أصلا على ماهية الهايكو؟

إذا كان أحد الكتّاب يرى الهايكو مشهدا حسيا، وآخر يراه حكمة قصيرة، وثالث يراه تأملا ذهنيا، ورابع يراه ومضة شعرية، فإن الجميع قد يمارسون الكتابة ويقرأون ويجتهدون، لكنهم يتحركون في اتجاهات مختلفة وربما متضاربة.

ما يدفع للقول بأن جوهر الخلافات الدائرة اليوم حول الهايكو لا تتعلق بحدود الموهبة أو بالممارسة فقط، ولكنها تتعدى ذلك إلى ما يتعلق بالتصور الذي لنا على الهايكو نفسه.

وغني عن البيان، أن الممارسة لا تعمل في الفراغ. إنها فعل يستمد معناه من الفهم الذي يوجهه. وكلما كان هذا الفهم أكثر وضوحا وأقرب لروح الهايكو الأصيل، ارتقت قدرة الكاتب على الإفادة من قراءاته وتجربته وممارسته.

 

المعرفة شرط للتطور

ومن الدروس المهمة التي أفرزها النقاش هو أن المعرفة لا تقل أهمية عن الموهبة والممارسة.

فالموهبة تمنح حساسية أولية، والممارسة توفر مجالا للتجريب، لكن المعرفة تساعد على فهم طبيعة النص الذي نحن بصدده، وتمييز خصائصه، واستدماج تقاليده وتحولاته.

الأمر الذي يؤكد بأن تطور الهايجن لا يرتبط فقط بعدد النصوص التي يكتبها، بل أيضاً بقدرته على توسيع فهمه للهايكو ومراجعة تصوراته وتعزيز معرفته على نحو مستمر.

ما هي خلاصات النقاش؟

انطلق الحوار بسؤال متداول: هل يعتمد الهايكو على الموهبة أم على الممارسة؟ لكن التفاعلات قادت إلى خلاصة مركبة: الموهبة تساعد، والممارسة تصقل، والقراءة توسع الأفق، والنقد يساعد على تصحيح المسار، والمعرفة تمنح الفهم الذي يوجه كل ذلك.

أما العامل المشترك الذي بدا جامعا للمداخلات فهو أن التطور الملموس لا يرتبط بعدد النصوص المكتوبة، بل باستعداد الهايجن وقدرته على التعلم.

ولعل الممارسة الواعية للهايكو، في خلاصة هذا الحوار، فن يؤهلنا لتأليف نص أفضل، كما يعلمنا كيف نرى العالم بقدر أكبر من الانتباه والوعي والحضور الحسي.


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق