![]() |
| شاهناز يوسف* |
بين وهم الترابط وبلاغة
الفراغ
هايكو العالم: 26 أبريل 2026
يطرح كثيراً سؤال يبدو
بسيطاً في ظاهره، لكنه يكشف إشكالاً أعمق في تجربة كتابة الهايكو باللغة العربية:
هل تقبل العربية الهايكو؟ أم أن بنيتها اللغوية تقاوم هذا الشكل الشعري القادم من
ثقافة مختلفة؟
هذا السؤال في جوهره يفترض
أن المشكلة في اللغة، بينما التجربة تظهر أن الإشكال الحقيقي ليس في العربية
نفسها، بل في الطريقة التي اعتدنا أن نكتب بها داخلها.
اللغة العربية، مثل غيرها
من اللغات الحية، قادرة على احتضان أشكال شعرية متعددة. لكنها تاريخياً ارتبطت
بنظام بلاغي يقوم على الاكتمال:
جملة واضحة، فعل يربط
المعنى، وتفسير يقود القارئ من نقطة إلى أخرى. هذا البناء يجعل"
الترابط" قيمة مركزية في الكتابة.
أما الهايكو، فهو يقوم على
مبدأ مختلف تماماً: لا يطلب من اللغة أن تشرح، بل أن تلمح. لا يسعى إلى بناء جملة
مكتملة المعنى، بل إلى تفكيك اللحظة إلى صور منفصلة يربطها وعي القارئ لا أدوات
اللغة.
من هنا ينشأ التوتر عند
الكتابة بالعربية:
حين نحاول كتابة الهايكو،
تميل اللغة أو الكاتب إلى إعادة إنتاج "الشرح" عبر أفعال وروابط لغوية،
مثل: يعبر، يقطع، فقط، يظهر… وكأن النص يحتاج دائماً إلى تبرير العلاقة بين الصور.
لكن الهايكو لا يقوم على
التبرير، بل على المجاورة. على وضع صورتين أو ثلاث
صور في مساحة صامتة، بحيث لا تفسر إحداها الأخرى، بل تخلق بينها فراغاً شعرياً
يعمل فيه المتلقي.
في هذا السياق، يمكن القول
إن الإشكالية ليست في اللغة العربية، بل في "عادة التفسير «التي نحملها داخل
الكتابة. فعندما نحرر النص من هذه العادة، تصبح العربية قادرة على إنتاج هايكو
شديد الكثافة، قائم على الحذف لا الإضافة، وعلى الإيحاء لا التصريح.
بل يمكن الذهاب أبعد من
ذلك: إن قوة الهايكو بالعربية تكمن تحديداً في هذا التوتر بين بنية لغوية تميل إلى
الاكتمال، وشكل شعري يقوم على النقص المقصود. ومن هذا التوتر يولد نوع خاص من
الكتابة، لا يكرر الهايكو الياباني، بل يعيد خلقه داخل حساسية لغوية مختلفة.
فالهايكو، في جوهره، ليس
جملة مترابطة… بل لحظة متجاورة.
*دكتورة في الطب، هايجن ومديرة مجموعة الهايكو الكردي / سوريا
