![]() |
| محمد بنفارس- المغرب |
الاختزال
في شعرية المناخات المشهدية
تجربة
إحساس لا بحث عن معنى
هايكو العالم: 02 دجنبر 2025
1.
تمهيد: مرتكزات شعرية المناخات
كما أشرنا في قراءات
ومقالات سابقة حول شعرية المناخات، تقوم المقاربة على قراءة
الهايكو باعتباره فضاءً من الإحساس لا بنية خطابية تُقرأ بحثًا عن معنى جاهز أو
رسالة توجيهية. فالمشهد الشعري من هذا المنظور، لا يُقصد لشرحه، بل يُقصد لاختباره
في ما يتيحه من أثر واهتزاز داخلي.
ومن المرتكزات الأساسية
للمقاربة: اقتصاد اللغة بوصفه مسلكًا لفتح الأفق لا لغلقه، والإيحاء بدل التصريح،
واشتغال الصمت والفراغ
(Ma) باعتباره جزءًا من
البنية، وغياب نقطة الإقفال لترك التجربة مفتوحة على زمن القارئ. كما تتأسس هذه
المقاربة على الإصغاء للمناخ الداخلي للنص، لا على تفكيكه بأدوات تحليلية تمجد
المصطلح أو أكاديمية تمتح من الجمود تثقل انسيابه الحسي والجمالي.
2.
الاختزال: رافد شعري في شعرية المناخات
في هذا التصور، لا
يعني الاختزال مجرد تقليص عدد الكلمات، بل هو خيار جمالي يقوم على نقل المشهد دون إضافات
تجميلية أو وظيفية أو توضيحية، ليبقى الجوهر وحده في أصفى توهجه. فالاختزال يمنح
النص طاقة التنفس. فإزالة الشوائب تتيح مساحة مفتوحة على الضوء والهواء، ما يجعل المتلقي
شريكا في استكمال التجربة عبر حدس ما لم يُقل. ومن هنا وظيفة شعرية الإيحاء كرافد
مركزي في شعرية المناخات.
3.
قراءة: بمنظور شعرية المناخات المشهدية
deep autumn
the old piano without
mom’s fingers
توغل
الخريف
البيانو
القديم
يفتقد
أنامل أمي
طامبوبو أنيس:
أندونيسيا، مقيمة في اليابان
يتولد المناخ في هذا الهايكو من تلاقي زمن الطبيعة وزمن الحنين. ففعل "توغل
الخريف" يشير إلى دخول صامت وثقيل إلى الداخل، لا إلى إعلان فصل مناخي وحسب. "البيانو القديم" بمثابة ذاكرة جامدة توقف إيقاعها. الاختزال في
السطر الأخير: "يفتقد أنامل أمي" يكثف القوة الوجدانية، بحيث يعمل بوصفه
أداة إيحاء: لا إعلان عن غياب ولا نعي ولا تفسير، بل مناخ فقد شفيف صامت بتجمد البيانو
نفسه، الذي يتحول إلى عاكس صامت للروح. بهذا التقشف المتوازن مع الموقف، يبدي النص
خريفا داخليا يوازي خريف الطبيعة، ويجعل الصمت بلاغة لا تضاهي.
4. خلاصة
وفق مقاربة شعرية المناخات المشهدية، وعلى ضوء تناولنا للنص، يبدو جليا أن قوة الهايكو ليست في قول الأشياء، ولا في استعراض مباهج اللغة، بل في ترك الأشياء تعبر عن نفسها دون تدخل أو توجيه. ما يعني أن الشعرية في الهايكو لا تكمن في التضخيم اللغوي، بل في الكثافة الشعورية التي يتيحها الفراغ بين الكلمات. فكلما اشتغل الهايجن على الاختزال والإيحاء، انفتح المجال لتفاعل القارئ ليختبر التجربة الشعرية بدوره. ولذلك فالفعل الجمالي في الهايكو هو فن الاقتصاد والإنصات؛ وتكثيف الإبداء والإنصات للمناخ الداخلي.


تحلبل عميق جد موفق.. تحباتي المختار
ردحذف