إعلان الرئيسية

الصفحة الرئيسية الهونكادوري: حين تتغيّر البقرة ولا يتكرّر المشهد/ محمد بنفارس

الهونكادوري: حين تتغيّر البقرة ولا يتكرّر المشهد/ محمد بنفارس

حجم الخط

 

عبد الحق موتشاوي- المغرب

الهونكادوري 

حين تتغيّر البقرة ولا يتكرّر المشهد

في شعرية المناخات المشهدية

 - ورقة 3 -

 




هايكو العالم: 26 دجنبر 2026

محمد بنفارس- المغرب


تمهيد: من منطق الاتهام إلى تدريب العين

 

في جزء واسع من التلقي العربي المعاصر، ما يزال التناص – وبخاصة الهونكادوري – يُستقبل بوصفه سطوًا نصيًا أو سرقة موصوفة، وكأن النص يولد في فراغ، أو كأن الذاكرة الأدبية عيب ينبغي إخفاؤه.
هذا الحكم المتسرّع لا يصدر غالبًا عن قراءة واعية للنصوص، بل عن فقر في الأدوات وعجز في ملاحظة الفوارق المناخية بين المشاهد، وعن خلطٍ بين التشابه السطحي والتكرار الإبداعي، بل وعن نية الإساءة المبيتة.

من هنا، تأتي هذه الورقة الثالثة في السلسلة لا للدفاع، بل ببعد نقدي وتعليمي: تعليم كيفية القراءة، وكيف يمكن لنصين يتناولان الكائن نفسه أن ينتميا إلى مناخين شعريين مختلفين جذريًا.

 

شعرية المناخات المشهدية: إطار للفهم لا للمقارنة

 

وفق شعرية المناخات المشهدية التي نجربها ونعمل على تفعيلها وتطويرها كنظام نقدي في عالم الهايكو، لا يُقرأ الهايكو عبر "ماذا قال"، بل عبر:

·     كيف يتشكّل المشهد؟

·     ما درجة كثافته؟

·     ما العلاقة بين الكائن والسياق؟

·     وما المناخ الشعوري الذي يولده النص دون تصريح؟

بهذا المعنى، لا يكون التشابه في الموضوع (البقرة مثلًا) دليل تطابق، بل قد يكون مدخلًا لاكتشاف اختلافات دقيقة وحاسمة.

 

النص المعاصر: بقرة عبد الحق ومناخ العبور

 

قطارُ المساء،
حتى البقرة تلوّح
بذيلها!


              _ عبد الحق موتشاوي

 

المناخ هنا ليس ريفيًا صرفًا، ولا طبيعيًا خالصًا.
نحن أمام مناخ عبور:

·     قطار (حركة، زمن، حداثة)

·     مساء (انطفاء، نهاية، خفوت)

·     بقرة (ثبات، بطء، حضور هامشي)

ذيل البقرة لا يؤدي وظيفة طبيعية واضحة، بل يتحول إلى إيماءة مشهدية داخل هذا التوتر بين الساكن والمتحرك. وهنا بالضبط يولد النص.

 

إيسا كوباياشي: مناخ اليومي الطبيعي

 

البقرة
"مو، مو، مو" وقد برزت
من خلال الضباب


              ترجمة: م. بنفارس  

                و:

حتى البقرة العجوز
لها ذيل
لكشّ الذباب

ترجمة: محمد عضيمة، بريد الهايكو الياباني

 

عند إيسا، المناخ مناخ يومي معاش:

·     لا حدث استثنائي،

·     لا مواجهة مع زمن آخر،

·     لا مفارقة.

الصوت والذيل جزء من نظام الحياة. إنها بقرة داخل الطبيعة، لا في مقابلها.

 

هياكوشي كوتوبا: مناخ الفقد والابتعاد

 

البقرة التي بيعت
تبتعد عن القرية
خلال الضباب!

                 ترجمة: م. بنفارس


هنا يتغيّر المناخ كليًا.
الضباب لم يعد خلفية حسية، بل غلالة فقد. البقرة كائن يُنتزع من مكانه، من عادته، من ذاكرته. لا ذيل، لا صوت، لا حركة صغيرة
بل مسافة تتسع.

 

بين النصوص الأربعة: التلاقي والافتراق


تلتقي النصوص في:

·     الكائن المشهدي نفسه (البقرة).

·     الاقتصاد اللغوي.

·     الاشتغال على الجزئي والهامشي.

لكنها تفترق مناخيًا:

·     إيسا: مناخ الاستمرارية الطبيعية.

·     كوتوبا: مناخ الانفصال.

·     عبد الحق: مناخ التماس بين عالمين (الطبيعي والحداثي).

هذا الافتراق هو ما تعجز القراءة الاتهامية وفقر الأدوات عن ملاحظته.

 

الهونكادوري: استدعاء المناخ لا نسخ المشهد

 

الهونكادوري، في ضوء مقاربة شعرية المناخات ، ليس تكرارًا للمشهد، بل تحويلًا لمناخه.

عبد الحق لا يعيد كتابة "ذيل البقرة" كما عند إيسا، ولا يستعير ضباب كوتوبا،
بل يضع الكائن نفسه في وضعية مشهدية جديدة، بزمن آخر، وقلق آخر، وإيقاع مختلف.

وهذا هو جوهر التجديد الهايكوي.

 

خاتمة: نحو قراءة مسؤولة

 

مواجهة سوء الفهم العربي للهونكادوري لا تكون بالصدام والاتهام، بل بتعليم العين أن ترى، والأذن أن تصغي إلى الجزئيات الصغيرة والفروق الدقيقة،
والقارئ أن يسأل:
ما المناخ الذي يولده هذا النص؟

حينها فقط، يسقط وهم السرقة، ويظهر الهونكادوري كما هو:
ذاكرة حيّة تكتب من جديد، لا ظلًا يكرّر نفسه.


Quand la vache change et que la scène ne se répète pas

Dans la Poétique des Atmosphères Scénographiques


Par: Mohammed Benfares


Résumé

De la logique de l’accusation à l’apprentissage du regard

Dans une large part de la réception arabe contemporaine, l’intertextualité — et plus particulièrement le Honkadori — continue d’être perçue comme une forme de spoliation textuelle ou de plagiat, comme si le texte naissait dans le vide, ou comme si la mémoire littéraire constituait un défaut qu’il faudrait dissimuler.
Ce jugement hâtif procède le plus souvent non d’une lecture attentive des textes, mais d’un manque d’outils critiques, d’une incapacité à percevoir les différences atmosphériques entre les scènes, d’une confusion entre ressemblance superficielle et répétition créative, et parfois même d’une intention malveillante préétablie.

C’est dans cette perspective que s’inscrit cette troisième contribution de la série : non pour défendre, mais dans une démarche critique et pédagogique, visant à former le regard du lecteur. Elle montre comment quatre textes portant sur un même être — ici la vache — peuvent appartenir à des atmosphères poétiques radicalement différentes.

 


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق