![]() |
| عبد الجابر حبيب[1] |
نحو مقاربة بنفس الهايكو
لا بأدوات البلاغة أو المصطلحات
هايكو العالم: فاتح دجنبر 2025
وصلتنا ورقة بقلم الهايجن والباحث: عبد الجابر حبيب،
يثير فيها قضايا تتعلق بالحدود الفاصلة بين جنس الشعر والهايكو، ويقف عند
المقاربات التي تنهل من روح الشعر فتخطئ طريقها نحو النص الهايكوي. ونتعبر أن ما
جاء في الورقة قريب من منطلقات " شعرية المناخات المشهدية"، وهي المقاربة
التي تعتبر المشهد المحسوس لا الذهني، شرطا أساسيا لقيام هايكو بنفس الهايكو. كما ترى أن الهايكو يتطلب مقاربة مختلفة تمتح من روح الهايكو نفسه.
مقاربة الهايكو بأدوات الشعر
اختلال التجنيس في قراءة الهايكو
تتمثل إحدى الإشكاليات المنهجية البارزة في تلقي
نصوص الهايكو عربياً في إخضاعها لأدوات نقدية شعرية لا تنتمي إلى بنيتها
التجنيسية. ويترتب على هذا الخلط مقاربات مشوّهة، إذ يُقرأ الهايكو بوصفه قصيدة،
وتُحاكم بنيته وفق معايير الانزياح والمجاز والأنسنة، في حين أنه جنس أدبي مستقل
له نسقه الجمالي والتقني الخاص. وعليه، فإن أي قراءة نقدية تُنجز انطلاقاً من تصور
شعري للهايكو ستفضي بالضرورة إلى نتائج غير دقيقة، مهما بدت لغوياً متقنة.
فالشرط الأول لأي قراءة علمية سليمة هو سلامة
الانتماء التجنيسي للنص؛ لأن اختلال هذا الشرط يؤدي إلى إسقاط أدوات تحليلية لا
تنتمي إلى طبيعة الخطاب المدروس، وهو ما يفضي إلى تشويه بنية النص وحقيقته الفنية.
خطأ منهجي في القراءات النقدية:
يقوم الشعر، في أغلب تجلياته، على:
ـ الانزياح اللغوي
ـ بناء المجاز
ـ تكثيف الاستعارة
ـ توسيع الحقول التخيلية
ـ الأنسنة
في المقابل، يقوم الهايكو على مبدأ مغاير جذرياً
يتمثل في:
ـ الالتقاط الحسي المباشر
ـ الاقتصاد اللغوي
ـ الابتعاد عن التخييل البلاغي.
ومن هنا فإن إخضاع الهايكو لمفاهيم الانزياح
والمجاز الكثيف، والمعالجة البلاغية الموسّعة يُمثّل مغالطة نقدية؛ لأنه ينقل النص
من حقل الهايكو إلى حقل الشعر.
نموذج تطبيقي لنص خارج عن شروط الهايكو
في النص الآتي:
ضفة الروح،
عند شاطئ الابتسامة
أفقد قارب فرحي
نجد أن البنية الدلالية قائمة كلياً على:
ـ الأنسنة،
ـ التجريد المجازي،
ـ التخييل الشعري المحض.
إذ لا وجود هنا لمشهد طبيعي محسوس، فقط مفاهيم
مجردة (الروح، الابتسامة، الفرح) أُلبست صفات مكانية ومادية عبر المجاز. وعليه،
فإن النص يندرج ضمن الخطاب الشعري التخيّلي، ولا ينتمي إلى مجال الهايكو من
الناحية التجنيسية.
إذن أي قراءة نقدية تتناول هذا النص بوصفه
هايكو، وتحتفي بانزياحاته وصوره البلاغية، إنما هي في حقيقتها قراءة شعرية لنص
شعري، وليست قراءة لنص هايكو. ومن ثمّ فإن الحديث عن “انزياحات الهايكو” في مثل
هذا النموذج يُعدّ حديثاً خارج الإطار المنهجي السليم.
طبيعة الهايكو:
لا يقوم الهايكو على إنتاج الصورة عبر المجاز،
وإنما على التقاط الصورة من الواقع الطبيعي المباشر، فجوهر الهايكو لا يتمثل في
التخييل البلاغي، وإنما في:
ـ رصد لحظة حسية آنية،
ـ قائمة على المشاهدة لا على التخيل،
ـ الجمع بين صورتين واقعيتين، متناغمتين أو
متضادتين، لتوليد صورة ثالثة ذهنية لدى المتلقي، دون تدخل تقرير ذاتي أو انفعالي
كثيف.
من هنا، فإن محاولة “تجميل” الهايكو عبر المجاز
الكثيف، والاستعارة المركبة تُفقده شرطه البنيوي الأهم، وتُحيله إلى نص شعري
بامتياز.
الشروط الفنية الحاكمة لبنية الهايكو:
لكي تُعدّ القراءة النقدية للهايكو سليمة من
الناحية المنهجية، لا بد أن تنطلق من وعي دقيق بشروطه الأساسية، ومن أبرزها:
ـ مبدأ التنحي أي غياب الذات المتلفظة، وتواري
الأنا لصالح المشهد.
ـ الالتقاط من الطبيعة لا من الخيال، مشاهد حسية
ملموسة: طقس، نبات، ماء، طير، ضوء، ظل… لا مفاهيم مجردة.
ـ التكثيف والاقتصاد اللغوي أقصى دلالة بأدنى
عدد من الكلمات.
ـ غياب الأنسنة لا تُسند الصفات الإنسانية إلى
عناصر الطبيعة.
ـ تجنّب التشبيه المباشر الامتناع عن أدوات
التشبيه من قبيل: كـ، مثل، كأنّ.
ـ بساطة اللغة خلوّها من الزخرفة، والبلاغة
المتضخمة، والمبالغة في استخدام المحسنات اللفظية الثقيلة.
ـ رفض المجاز المفرط، والانزياح البلاغي لأن
حضوره المكثف ينقل النص مباشرة إلى حيز الشعر.
فأي نصٍّ يخرق هذه الشروط، مهما بلغت قيمته
الجمالية، يظل نصاً شعرياً لا هايكوياً.
أثر الجهل بشروط الهايكو في تشويه القراءة:
حين يقرأ الناقد نصاً مشبعاً بالبلاغة والمجاز
والأنسنة بوصفه هايكو، فإنه ينطلق من فرضية خاطئة، وينتج عنها حكمٌ نقدي مضلل.
فيحتفي بما يراه:
ـ انزياحاً لغوياً،
ـ صوراً مبتكرة،
ـ اشتغالاً بلاغياً عالي المستوى،
لكنه في الواقع يصف آليات الشعر لا آليات
الهايكو. وهنا تتشكل مفارقة منهجية خطيرة:
قراءة تبدو “عميقة” لغوياً، لكنها مختلة
تجنيسياً وفنياً.
السنريو: الأقرب إلى الهايكو مع بقاء الفاصل
حتى السنريو، بوصفه الجنس الأقرب إلى الهايكو،
مع سماحه بجرعة أوضح من المشاعر الإنسانية، يظل مرتبطاً:
ـ بمشهد يومي واقعي،
ـ بحدث ملموس،
ـ صورة محسوسة ملتقطة من الحياة اليومية، لا تجريدية
مجازية.
وبذلك يبقى الفاصل بينه وبين الشعر قائماً من
حيث المرجعية الواقعية للصورة، وإن كان أقل حدّة من فاصل الهايكو الطبيعي مع
القصيدة.
أذاً، العدالة النقدية تقتضي محاكمة الهايكو بأدواته لا بأدوات الشعر، والتمييز الصارم بين جماليات الصورة الحسية، وجماليات الإنزياح البلاغي، حتى لا تختلط الأجناس وتضيع الخصوصيات الفنية.
