إعلان الرئيسية

الصفحة الرئيسية التقابل: من البنية إلى الشعرية/ محمد بنفارس

التقابل: من البنية إلى الشعرية/ محمد بنفارس

حجم الخط

محمد بنفارس- المغرب

التقابل في الهايكو

من البنية إلى الشعرية

 

هايكو العالم: 05 نونبر 2026


مقدمة

يقصد بالتقابل في الهايكو تلك العلاقة البنائية القائمة بين عناصر متباينة داخل المشهد، وقد تبلغ درجة التضاد حين تتواجه حركات أو حالات أو دلالات متعارضة. أما التجاور فيضع العناصر جنبا إلى جنب، وقد ينشأ التقابل من العلاقة التي يتيحها هذا الوضع. ولا يتخذ التقابل صورة واحدة؛ إذ يمكن أن يتجلى في التضاد المباشر، أو التباين الحركي والمكاني، أو التوتر الدلالي الناشئ عن تفاعل عناصر المشهد. وقد تفضي هذه العلاقة إلى مفارقة غير متوقعة، لكنها ليست شرطا لازما.

في ضوء مقاربة «شعرية المناخات المشهدية» (ش م م)، تكمن قيمة التقابل في القدرة على توليد المناخ والأثر، لا في مقابلة الأضداد لمجرد التقابل أو إعمال التكلف في ذلك. وتتحقق فاعلية التقابل من خلال أدوات اللغة والاقتضاب والإيقاع: لغة تروم الدقة وتضع العناصر في نصابها من دون تفسير، واقتصاد في القول يترك للعلاقة أن تعمل، وإيقاع ينظم التتابع والقطع والانتقال بين وحدات المشهد، فيتيح للتباين أن يستشعر ويُدرك كقيمة شعرية.

 

البنية في خدمة الشعرية

1.      صوت الماء

بركة قديمة -

ينطّ ضفدع

صوت الماء

— ماتسوو باشو (اليابان، 1644-1694) Matsuo Bashō (松尾芭蕉)

 

يلاحظ، في هذا النص الشهير لباشو، أن المشهد يتشكل عبر انتقال حسي من سكون البركة إلى حركة الضفدع، ثم إلى صوت الماء. من الواضح أن النص يتجاوز التضاد كمعطى مباشر، ويني علاقة تحول بين حالات المشهد. وتضيف القفلة الصوتية وظيفة تتجاوز تسجيل الحدث؛ بحيث تجعل الحركة مسموعة، مانحة المشهد امتداده الحسي. ويلاحظ، من جانب آخر، أن الإيقاع يتبلور عبر مسار متدرج ومتتابع: من المكان، إلى الحركة، إلى الصوت، ما يسمح للأثر أن يستشعر من تفاعل وتكامل هذه العناصر.

 

2.     قارورة تزحف

قارورة من البلاستيك

تزحف على الأرض-

البابا الطائر في السماء

—  بانيا ناتسويشي (هايجن معاصر، اليابان) Ban’ya Natsuichi

ترجمة: محمد عضيمة ( بانيا ناتسويشي ، البابا الطائر في السماء)، منشورات الموكب الثقافي، وجدة /المغرب (2016)

 

ينهض النص على تقابل عمودي بين الزحف والطيران، والأرض والسماء. وتتجلى فاعلية العلاقة من تواجد صورتين متباينتين في مشهد واحد: قارورة بلاستيكية تتحرك على الأرض، والبابا طائر في السماء. ويعمل فعل «تزحف» على رسم حركة مرئية، في حين يضع توصيف «الطائر» الصورة الثانية في حركة معاكسة. بذلك يقارب النص المسافة بين الصورتين عندما يترك للتباين أن ينتج أثره في التلقي، دون توجيه.

 

3.      النصب التذكاري

على النصب التذكاري

غراب يرقب

النمل

— عيسى أبركان (هايجن معاصر، المغرب) ، سقف القرميد (2025)

 

يلاحظ تقابل بين ثبات النصب التذكاري وحركة الغراب والنمل، كما يتباين فضاء يستحضر الذاكرة مع تفاصيل الحياة الجارية عنده. والتباين في النص يُستشف من تشكيل العناصر وطريقة تجاورها. ويعمل فعل «يرقب» على تجسير حركة ممتدة زمنيا وحسيا تنتهي عند "النمل " في القفلة. وهذه الحركة المتتابعة تنتج توترا بين دلالة النصب التاريخي وحياة الكائنات الصغيرة المتحركة عنده وفي محيطه. جاء ذلك في تنح للذات الكاتبة عن توجيه القراءة.

4.      بريق

ساحل المتوسط-

بريق

في عيون الناجين

__ محمد بنفارس (المغرب)، ديوان مشترك، هودج الرحيل: هايكو وتشكيل

 

يتحرك النص من فضاء جغرافي إلى تفصيل إنساني، ومن الضفة إلى العيون. وينشأ التقابل من التوتر بين فضاء يستدعي في الذاكرة تجارب العبور ومخاطره، وبين البريق الذي يظهر في عيون الناجين. وتؤدي كلمة «بريق» دورا محوريا؛ فهي مقتضبة وحسية، وتقع بين المكان والعيون، فتشكل نقطة التحول في المشهد. أما القفلة «في عيون الناجين» فتعيد البريق إلى أصحابه، وتترك أثر النجاة ينبثق من التشكيل المشهدي، دون أن تستنفد دلالته في تفسير محدد.

 

اختلال ما بين البنية والشعرية

طريق لا يسلكه أحد

على الزجاج

يرسم المطر طريقا

لا يسلكه أحد

— أ.ب (نص نشر في صفحات مجموعات هايكو)

 

ينطلق النص من مشهد حسي مألوف: المطر يرسم على الزجاج خطوطا تبدو طرقا. صورة بصرية تتيح للمتلقي متابعة تشكل الخطوط وحركتها، مع وضوح في الإبداء واقتصاد في القول.

غير أن السطر الأخير يتحول إلى توجيه التلقي نحو مفارقة مقصودة: طريق مرسوم لا يسلكه أحد. ما يعني أن النص ينتقل من إبداء المشهد إلى بناء علاقة بين صورة الطريق وإمكان سلوكه ومن عدمه، ثم يحسم، على نحو مباشر، هذه العلاقة بعبارة تقريرية.

ولعل ما يهمنا هنا هي طريقة بناء هذه المفارقة. فخطوط على الزجاج لا تتيح أصلا إمكانية المرور، ولذلك لا تضيف عبارة «لا يسلكه أحد» جديدا إلى الصورة، بقدر ما تحاول استثمار استحالة مادية بديهية لإنتاج مفارقة لفظية. ما يجعل التقابل في النص مصنوعا على لعبة دلالية مركبة على كلمة «الطريق».

في ضوء (ش م م)، تبدو القفلة المصنوعة عائقا لانبثاق الأثر الذي كان يمكن أن يتولد من الصورة البصرية، بحيث كان ممكنا ترك خطوط المطر تعمل ذهنيا، ولكن النص ذهب إلى تحديد المفارقة التي يراد للمتلقي أن تصل إليه. وبذلك يتموضع إلى جهة توجيه القراءة، ما يبوئ التدخل اللغوي مكانة تجعله أكثر ظهورا من العلاقة المشهدية نفسها.

على أن ذلك لا يعني أن المفارقة أو الاستحالة المادية لا تتوفقان دائما في إنتاج الشعرية. فالشعرية رهينة بما تضيفانه إلى المشهد دون تكلف، وأيضا بقدرتهما على توليد أثر لا ينحصر في صنعة المفاجأة/الدهشة اللفظية.

تبدو المفارقة، في نصنا، غاية لذاتها، والتقابل يعمل كأداة صناعية تنفيذية، والقفلة وسيلة توجه بإحكام فعل القراءة. الأمر الذي حال دون تبلور الشعرية بشكل طبيعي من التشكيل المحسوس للعناصر.

 

خاتمة

نخلص إلى أن فاعلية التقابل في الهايكو لا تكمن في وجوده في النص لذاته، ولا في حدة التباين بين العناصر المشكلة للمشهد، لكون ذلك لن يكون كافيا لإنتاج الشعرية. فالشعرية لا تقوم فقط بوجود صورتين متقابلين، بل تحتاج إلى إعمال فني في اختيار الكلمة المناسبة واالاستبعاد الكلي للشرح، إعمال يروم تفعيل طبيعة العلاقة التي يقيمها النص بين وحدات التقابل، بحيث تولد مناخا وتترك للأثر أن يمتد إلى أبعد من مجرد التشكيل الصفي الظاهر.


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق