أطروحات
الهايكو في الجامعات العربية
من المناقشة
إلى التداول
هايكو العالم: 21 شتنبر 2026
اهتمام جامعي يستحق المتابعة
منذ فترة ونحن نسمع عن أطروحات
جامعية تناولت الهايكو في عدد من الجامعات العربية، من الإجازة والماستر إلى
الدكتوراه. ولا شك أن حضور الهايكو في البحث الجامعي أمر يستحق الاهتمام، لأنه
يفتح أمام هذا النوع من القول مساحات جديدة للدراسة والمساءلة والنقد والتوطين.
يصلنا، بين الفينة والأخرى، أن
أطروحة نوقشت، ونعرف أحيانا عنوانها والدرجة التي حصل عليها صاحبها، ثم لا نعرف
عنها شيئا آخر. لا تصل إلى القراء، فبالأحرى الوصول إلى نتائجها، ولا نعرف الأسئلة
التي طرحتها أو المناهج التي اعتمدتها أو ما أضافته إلى البحث في الهايكو.
العنوان ليس البحث
كثيرا ما تتكرر، ودون اطلاع أو
معرفة، عبارات الإطراء من قبيل "إضافة نوعية" أو "إنجاز أكاديمي
رفيع" أو "فتح جديد في البحث الهايكوي"، اعتمادا فقط على خبر غير
مكتمل لا يقدم سوى عنوان الأطروحة واسم صاحبها ونتيجة المناقشة.
على أنه ينبغي التمييز بين أمرين: نجاح
الطالب في إنجاز بحثه ومناقشته داخل المؤسسة الجامعية، وبين القيمة العلمية التي
يمكن للباحثين والقراء من خارج لجنة المناقشة أن يتبينوها من خلال الاطلاع على
البحث وخلاصاته.
فالعنوان، مهما بدا مهما ومدروسا، لا
يمنح ما يكفي عن مضمون الأطروحة ولا عن نتائجها.
أين تختفي الأطروحات؟
المسألة ليست جديدة. قبل سنوات طرحنا هنا سؤال أطروحات الهايكو في الجامعات العربية: كم عددها؟ ما موضوعاتها؟ ماذا أضافت؟
وأين يمكن الاطلاع عليها؟
واليوم، مع كل إعلان جديد، فإن نفس السؤال
يتكرر.
واللافت أن هذه الأطروحات لا تصل إلى
المهتمين لا في صيغة رقمية ولا في صيغة ورقية. وهنا لا نتحدث عن الهايكو وحده، نتحدث
عن ممارسة أوسع تستحق المراجعة في المجال الأكاديمي العربي، ويأتي على رأسها ما
تعلق بمباحث الهايكو.
البحث لا ينتهي يوم المناقشة
وغني عن البيان، أن الأصل في البحث
الأكاديمي أن تكون له حياة بعد المناقشة، عبر النشر والتداول والاستفادة، بالوسائل
التي تتيحها المؤسسة والباحث: كتابا، أو مقالا علميا، أو نسخة رقمية، أو مستودعا
جامعيا.
فالمناقشة ما هي سوى محطة في المسار
العلمي وليست نهايته. والبحث الذي لا يصل إلى التداول وإلى القراء يفقد جزءا أساسيا
من وظيفته المعرفية، بل قد يكون بدون قيمة على الإطلاق.
ممارسة تحتاج إلى مراجعة
قد لا نذهب إلى حد زعم أن الأمر واحد
في جميع الجامعات العربية، ولا أن إتاحة الأطروحات تخلو من اعتبارات قانونية أو
مؤسساتية. لكن من غير المناسب ألا نتساءل عن ثقافة تجعل الوصول إلى البحوث
الجامعية العربية ذات الصلة بالهايكو خاصة بالغ الصعوبة، في حين أصبحت المستودعات
الجامعية والمنصات الرقمية وقواعد البيانات وسائل مألوفة لتداول المعرفة
الأكاديمية في جامعات وثقافات بحثية عديدة.
المسألة، إذن، تتجاوز الجوانب التقنية
أو التدبيرية لتطال تصورنا لموقع ووظيفة البحث الأكاديمي: هل ينتهي دوره بتنظيم
المناقشات والحصول على الدرجة، أم يبدأ بعد ذلك في فضاء أوسع من القراءة والنقد
والتراكم؟
دعوة إلى المسؤولين
لذلك نتوجه إلى الجامعات والأقسام
المعنية، والباحثين وأصحاب الأطروحات، ولجان المناقشة، والمسؤولين عن المستودعات
والنشر الجامعي، من أجل جعل إتاحة البحوث ممارسة طبيعية في مسارها العلمي، وإتاحة
ملخصات وافية عندما يتعذر نشر النص الكامل.
كما نأمل أن تتضمن أخبار المناقشات
المعطيات الأساسية التي تسمح بتوثيقها ومتابعتها: العنوان الكامل، الجامعة والقسم،
تاريخ المناقشة، وتشكيلة اللجنة، وأبرز نتائج البحث.
ما بعد المناقشة
بعد إتاحة البحوث تبدأ مرحلة أخرى لا
تقل أهمية: القراءة النقدية.
ومن هذا المنبر نوجه الدعوة للجامعات
والمجلات والمنصات الثقافية المتخصصة إلى فتح المجال لمناقشة هذه البحوث على أرضية
علمية، بعيدا عن حماسة المجاملة أو اندفاع التشهير. فالاختلاف مع أطروحة لا ينتقص
من صاحبها، كما أن الإشادة بها لا تغني عن قراءتها.
وفي حالة الهايكو على وجه الخصوص،
تبدو الحاجة إلى هذا التراكم أمرا ملحا، لأن البحث الأكاديمي العربي والتكوين والتأطير في هذا المجال ما يزال في طور التشكل، ويحتاج إلى رؤيا وتخطيط وتدابير
تبدأ بإدماج الهايكو في المناهج الدراسية والجامعية.
