![]() |
| نسيم السعداوي- تونس |
حوار هايكو العالم
هايكو العالم: 12 شتنبر 2026
في العدد الثالث من مجلة هايكو العالم H W، أجرينا حوارا مع الهايجن والناقد التونسي نسيم السعداوي، المقيم في فرنسا، حول تجربته في كتابة الهايكو بالعربية، ورؤيته للهايكو العربي وأسئلة توطينه، ومشروعه النقدي الذي يعمل عليه منذ سنوات.
يتناول الحوار أيضا واقع التجربة العربية، وآفاق تطويرها، ودور الأندية والمنصات الثقافية، وعلاقة الهايكو العربي باللغات والتجارب العالمية، إلى جانب أسئلة الكتابة والترجمة والنقد والنشر.
.ننشر الحوار على موقع هايكو العالم لإتاحة محتوى العدد الثالث لقرائه ومتابعيه رقميا
هايكو العالم (ه.ع): لو تفضلتم أستاذ نسيم بتقديم نفسكم للقراء.
نسيم السعداوي (ن.س): اسمي نسيم السعداوي، تونسي مقيم بفرنسا منذ 1998، أشتغل في ميدان الاستشارات الصناعية، وأشتغل أيضًا في مختبر آخر، أكثر هشاشة وإصرارًا: الشعر. بدأتُ ممارسة الهايكو باللغة الفرنسية، ثم حملني إلى العربية كما يحمل النهر حجرًا صغيرًا ليعيد إليه وزنه. منذ 2012 وأنا أمارس الهايكو بالعربية على الفايسبوك، أسّست نادي الهايكو بتونس، وأطلقت أول مجموعة هايبون عربي، وخضت تجربة الهكيد مع الشاعر جمال الجزيري ثم تخلّيت عنها حين فهمت أن الهايكو لا يُهجن، وأن عروبته، إن كُتب بالعربية، يجب أن تصدر من بلاغة الضاد نفسها، لا من أعضائه المستعارة. أكتب هايكو تجريبيًا، بحثًا عن جمالية عربية متقشفة، صعبة الترجمة، لا بسبب تعقيدها بل بسبب انتمائها لمناخ شعري لا يُستورد.
منذ قرابة ثماني سنوات،
تركت التنشيط وأشتغل في صمتٍ ومنهجٍ ورؤية، بثبات وعزم وصبر كثير، على مشروع نقدي
هدفه المساهمة في بناء جهاز عربي خاص بالهايكو العربي، لا يقتصر على التوصيف، بل
يُوفّر طرحًا فعليًا لتأصيله داخل التربة البلاغية العربية. وكل ما يمكن الإفصاح
عنه الآن هو أن هذا المشروع قد اكتمل، وهو حاليًا قيد المراجعة الدقيقة، وسيُنشر –
بإذن الله – قبل نهاية هذه السنة.
(ه.ع): بحكم تجربتك الطويلة ومواكبتك للهايكو العربي والعالمي اطلاعًا وتنظيرًا
وترجمةً وتأليفًا، كيف تلقيت الهايكو ابتداءً؟ وكيف تتصوره حاليًا؟ وهل من تعريف
له؟
(ن. س): تلقيت الهايكو أول الأمر
كفضول ثقافي خالص. لم أكن أبحث عن شكل شعري جديد، بل صادفت هذا الكائن الهش حين
كنت أتابع حوارًا مع الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، ذكر فيه أنه يكتب الهايكو
ويجمع مخطوطاته، فشدني الاسم قبل المضمون. ثم قرأت ترجمات فرنسية وباشرت المحاولة،
لكنني سرعان ما فهمت أن هذا النمط لا يُكتب كتمرين بلاغي، بل يُمارَس كتجربة
وجودية صامتة.
حملني الهايكو لاحقًا إلى العربية، وأعادني إلى
لغتي الأم لا كمجرّد وسيلة، بل كأفق بلاغي يحتاج إلى اقتلاع طبقات البلاغة
المعتادة كي يُصغي لنَفَسه. لم أعد أرى الهايكو "قصيدة قصيرة" بل منظومة
إدراكية شعريّة، تُبنى على النقص، على الحذف، على الإغفال، على الصمت. لا يُعرّف
الهايكو من الخارج، بل يُفهم من الداخل، عبر الممارسة، والتأمل، والتورّط في
تفاصيل اللحظة، لا في زخرف القول.
لهذا، لا أقدّم له تعريفًا، بل أنظر إليه ككائن غير
قابل للتحديد، يهرب من كل تأطير إلا تأطير التجربة. هو ليس شعرًا صغيرًا، بل شعرًا
آخر، يشتغل بأدوات لا تزال قيد
الاختراع في نقدنا العربي. ومن هنا، تأتي الحاجة إلى مشروعنا الذي لا يعرّف
الهايكو، بل يُعيد طرح أسئلته داخل اللسان العربي.
(ه.ع): هل توافق الرأي القائل
بأن الشعر شعر بأدواته، والهايكو هو هايكو وفقط، أي ليس شعرًا؟
(ن. س): هذه المقولة، كما
صاغها الشاعر والمترجم محمد عضيمة، تختصر بدقة موقفًا نقديًا مهمًا: "الشعر شعر، والقصيدة قصيدة، والهايكو هايكو".
ولا أراها فصلًا تعسفيًا، بل استعادة لفهم جوهري مفاده أن الهايكو ليس مقطعًا
شعريًا مختصرًا ولا تمرينًا على التكثيف، بل "جهاز بلاغي إدراكي مختلف"،
يشتغل بأدوات لا عهد للبلاغة العربية التقليدية بها.
الهايكو ليس مجازًا بلاغيًا بل مجازًا
معرفيًا–إدراكيًا، يتحرك عبر الإغفال لا عبر التزويق، ويتأسس على الصمت لا على
التضمين. هو حالة تأملية لا تتحمل البلاغة الخطابية، بل تبني فراغها كجدار صدى.
لهذا، محاولة إدراج الهايكو داخل مشهد الشعر العربي بأدوات القصيدة العمودية أو
الحرة تفقده مرتين: شكليًا ومفاهيميًا.
باختصار، نعم: الهايكو ليس "نوعًا من الشعر"، بل هو تجربة شعرية أخرى، تقف على طرف حاد من
اللغة، وتُعيد ترتيب علاقتنا بالقصيدة، بالصمت، وبالمعنى المؤجل.
(ه.ع): كيف تقيّم التجربة
العربية في الهايكو؟ وهل تعتبر أن الأندية العربية قدمت مساهمات في نشر الهايكو
وتقييمه وترجمته والتعريف به وتطويره؟
(ن. س): التجربة العربية في
الهايكو قطعت خطوات مهمة، لا من حيث الكمّ فقط، بل من حيث بدء الوعي بالفروق
الجوهرية بين الشعر كما ألفناه، والهايكو كما يُفكّر فيه. وقد شكّلت منصات التواصل
الاجتماعي فضاءً رحبًا لتداول النصوص ومراكمة المحاولات، لكننا لم نبلغ بعد مرحلة
بناء مرجعية نقدية عربية للهايكو.
لا يمكن إنكار دور الأندية والمجموعات العربية في
الترويج للنمط، وتوفير فضاءات أولى للممارسة والتعارف، لكن كثيرًا منها توقف عند
حدود الترويج الشكلي، دون أن يستثمر هذا الزخم في بلورة أدوات نقدية داخلية، أو في إنتاج قاعدة معرفية قابلة للتثاقف
خارج حدود اللغة العربية.
ومع ذلك، لا يمكن الحديث عن التجربة العربية دون
التوقّف عند جهود بعض الفاعلين المؤسسين. أخص بالذكر هنا الصديق عبد القادر الجموسي، الذي طبع بصماته
على واحدة من اللحظات التأسيسية النادرة للهايكو العربي، حين أشرف على أول
أنطولوجيا عربية خلال تنظيم ملتقى وجدة بالمغرب. لقد جمعت تلك الأنطولوجيا عشرات
النصوص لممارسين من مختلف الأقطار، وضمت بيانا هو الوحيد حتى الآن في الحقل
العربي، وإن لم يكتمل من حيث الرؤية الجمالية.
كما لا أنسى مساهماته النظرية التي كتبها أثناء
إقامته في اليابان، وخاصة طرحه لمفهوم "مدارات الهايكو العربي"، ومحاولته استنطاق اللحظة الهايكوية من
منظور عربي مثقف لا فقط منبهر. إنها مساهمات لم تلق ما تستحقه من صدى أو تثمين،
لكنها لا تزال مرجعًا مؤسسًا لمن يرغب في البناء لا في التكرار.
ولا يجب أن نغفل في هذا السياق عن تحيّة كل من
تجرّأ على خوض تجربة التعريف بالهايكو عبر وسائل الإعلام المرئية، وعلى رأسها
القنوات التلفزيونية، وهي مهمّة دقيقة وذات رهانات مضاعفة، لأن تقديم نمط كهذا في
فضاء سريع الإيقاع ومفتوح على التأويل يُعدّ تمرينًا صعبًا ليس بمتناول الجميع.
أخصّ بالذكر هنا بعض الوجوه التي خاطرت بالخروج من المجموعات الافتراضية إلى
الفضاء العمومي، مثل الصديق سامح درويش،
مدير نادي الهايكو "مرّوكو"، وسامر
زكريا، مدير مجموعة هايكو سوريا، وعلي
القيسي، مدير مجموعة "نبض الهايكو" العراقية، وحسني التهامي، مدير مجموعة هايكو مص،
وهو بالمناسبة ترجم عديد النصوص ونشر مقالات ثرية، وأحمد يحيى القيسي، مدير المجموعة الفتية "هايكو
السعودية".
إنهم – رغم اختلاف مناهجهم – يجتمعون على قاسم
شجاع: المساهمة في كسر عزلة هذا الفن وإيصاله إلى فضاءات أوسع، مع وعي بصعوبة نقل
جوهره دون اختزاله أو تذويبه في بلاغات مألوفة.
نحن اليوم بحاجة إلى نقلة من طور التراكم الكمي إلى
مشروع تأصيلي نوعي، يعيد رسم العلاقة بين العربي والهايكو، ليس بوصفه فضولًا بل
بوصفه ضرورة بلاغية جديدة.
(ه.ع): ركزت التجربة العربية على أسماء ظهرت في بدايات الهايكو، وما زالت هناك
أندية وصحافة تسوّق لأسماء انقطعت ولم يعد لها ما تقدمه، بحيث لا تفسح المجال
للهايجن الشباب وللنص الجيد بغض النظر عن كاتبه. ما هي مقترحاتك لفسح الفرص
للأقلام الجديدة؟
(ن. س): أود أولًا أن أحيي
جملة من ممارسي الهايكو عربيًا، لأنهم، وباختلاف أطيافهم، ساهموا في تثقيفي ودفعي
للتفكير، سواء من خلال كتاباتهم أو عبر النقاشات. أذكر منهم: محمد عضيمة – عيننا باليابان – بما
قدّمه من إشارات دقيقة، وسامح درويش
في أصالة نصوصه، وأسامة أسعد في
شرحه المتين لمفاهيم الهايكو الكلاسيكي، وباسم
القاسم بمقالاته التي وإن انطلقت من حقل النقد الأدبي، فإنها ألهمت الكثير.
كذلك لا أنسى ديميتري أفيرينوس، وسامي الحمروني، وسامر زكريا، وجمال الجزيري، وعلي القيسي، وحتى من افترقت دروب تصوراتنا للهايكو مثل محمود الرجبي، فقد كان سخيا ومحاججا
فذا... والقائمة تطول، وليعذرني من لم يُذكر.
أما بخصوص الأجيال الجديدة، فإنني لا أنظر إلى
المسألة من زاوية ضيق المجال فقط، بل أيضًا من زاوية عدم نضج أدوات التقييم. فغياب رؤية نقدية واضحة، وضعف الوعي لدى
الصحافة الثقافية بوظيفة هذا النمط، أدّى إلى هيمنة أسماء تُعيد إنتاج خطاب شعري
مألوف في شكله لا في روحه.
لكن لا بد من الاعتراف أيضًا بأن جزءًا من
المسؤولية يقع على ممارسي الهايكو أنفسهم، بما في ذلك “الشباب”. كثير منهم جاء إلى
الهايكو تحت تأثير “عسل الهايكو” في منصات التواصل، فكتبوا ونشر لهم دون أن يخوضوا
تدريبًا حقيقيًا في تقليم المعنى واحترام شروط القطع أو فهم وظيفة “الما”.
ومع ذلك، ظهرت أسماء عربية واعدة أصدرت مجموعات ذات
نفس كلاسيكي سليم، نذكر منهم – دون حصر – ماهر حرامي، رحيم جماعي، هدى حاجي، صباح
الإبراهيمي، حسين جويد، نعيم الصياد، وليد الصياد، عتاب القيصر، سعد برغش، شمال
عقراوي، ملكو أحمد، خيرية السقاف، مانيا فرح، سميرة سلمان، بلقيس خالد، حميد
العادلي، عادل غضبان، مصطفى الشفرا، محمد إبراهيم، تغريد نديم عمران، عباس
كيارستمي، مريم لحلو، فاتن أنور، مريم حوامدة، فاديا سلوم، عباس محمد عمارة، باسمة
العوام...
وأؤكد أنني لم أذكر من ذكرتهم في إجاباتي السابقة،
لأنهم تجاوزوا مرحلة الممارسة العادية، إلى مرحلة النشر الواعي وتنويع التجريب، ونشروا دواوين ذكية في طبعات
محترمة وزّعت عربيًا.
المطلوب اليوم، إذًا، ليس فقط منح فرص للشباب، بل إعادة صياغة جهاز التلقي والتقييم،
وبناء أرضية معرفية تسمح للأصوات الجديدة بأن تُسمَع بصدق، لا عبر تراتبية أو مديح
فارغ.
(ه.ع): هل ما كتبه الرعيل
العربي الأول يُعتبر كله هايكو بالنظرة والفهم الحالين للهايكو؟
(ن. س): أعتبر الرعيل الأول
– وأعني بهم أولئك الذين ترجموا، وعرّفوا، وكتبوا نصوصًا أولى بين التسعينات
وبداية الألفية – بمثابة العتبة الضرورية التي سمحت للهايكو بأن يُدرك عربيًا، حتى
وإن كان ذلك بإرباك وخلط. لقد أدّوا دورهم، بعضهم بفضول ثقافي، وبعضهم بجمالية
خاصة، وبعضهم بنزعة تعريبية حوّلت الهايكو إلى مقطوعات تأملية أو صُوَر رمزية.
لكن إذا اعتمدنا ما توصّلنا إليه اليوم من وعي
بلاغي، ومن فهم لبنية الهايكو بوصفه جهازًا
إدراكيًا يتأسس على القطع والإغفال والفراغ، فإن كثيرًا من تلك النصوص لا
يمكن تصنيفه هايكو بالمعنى الدقيق، بل هو محاولات مؤثرة أو حتى نصوص جميلة ولكنها
تنتمي لأشكال أخرى.
ولنكن منصفين، لم تكن آنذاك أدوات التمييز واضحة،
ولا اللغة النظرية متوفرة. كانت هناك استعارات من التجربة اليابانية تُلقى دون
تدقيق، وبعض التعريفات تُرجمَت بلا خلفية بلاغية عربية. ومع ذلك، بعض الأسماء –
كما في حالة د. بشرى البستاني في نصها المؤسس، أو بعض ما ترجم باسم القاسم، أو
قدّمه علي القيسي على صفحة مختبر الهايكو – حاولت طرح قضايا نقدية حقيقية، حتى إن
لم تُستثمر بالعمق الكافي.
ولأننا نعرف أن أي بدايات تؤسس غالبًا بما لم تَقُله بقدر ما بما قالتْه، فأرى
أن علينا أن نُعيد قراءة نصوص ذلك الجيل كمخزون حيّ لا لتقليده، بل لقراءته في ضوء
أدواتنا الحالية.
الخلل ليس فيهم، بل فينا، إن نحن اكتفينا بما بدأوه
دون أن نطوّر، ونخوض، ونسائل، ونشتبك مع مفاهيم القطع، والما، والمفارقة اللحظية،
وموت الأنا في النص، بوصفها شروطًا لا مجرد خصائص تقنية.
(ه.ع): هل من إمكانية قابلة
للتطبيق لتجميع الجهد وتطوير تجربة الهايكو العربية، أم الأمر متروك للاجتهادات
المحلية/القطرية؟
(ن. س): سؤال جوهري، ويقودنا إلى
تأمّل الشروط العملية والتقنية التي يحتاجها كل مشروع تنسيقي عربي جاد.
بداية، لا بد من القول إن هذه الإمكانية موجودة نظريًا، بل وجرى التفكير فيها
أكثر من مرة، سواء عبر ملتقيات حضورية أو من خلال مبادرات افتراضية. غير أن ما
يعيق تجسيدها فعليًا هو غياب بنيات تقنية مصاحِبة، وغياب روح تنظيمية واضحة تفرّق
بين الحوار، والتسيير، والتأطير.
تَصوّر مثلاً أن هناك ملتقى يشارف على سنته الخامسة
– كما هو الحال في مبادرة المكتبة المغاربية ببن عروس في تونس العاصمة – دون أن
يتم حتى الآن تجميع محاضراته ومداخلاته، لا ورقيًا ولا إلكترونيًا، بل لا وجود إلا
لتغطيات صحفية موجزة لا تخدم فعليًا الهايكو ولا تُدخل القارئ إلى أسئلته
المركزية.
ومع ذلك، أؤمن أن الممكن موجود، ولو عبر منصات رقمية مثل Zoom وغيرها، بشرط توفّر فريق عمل محلي في نقطة انطلاق المشروع، وأن يتوفر دليل تقني مُبسّط يهيّئ المشاركين لتجاوز الإشكالات التقنية المتكررة. هذا ما حصل – وإن بشكل جزئي – في الندوة الإلكترونية التي أشرف عليها سامح درويش السنة الفارطة، بحضور الشاعر بانيا، رئيس جمعية الهايكو العالمية. كانت خطوة مهمة، لكنها تعثرت بفعل غياب ترجمة فورية محكمة، وبسبب ردود بانيا الشحيحة أو المتعثرة رغم خبرته الطويلة.
لهذا أوجّه من خلال هذا المنبر نداءً للعزيز سامح
درويش، الذي يتمتع بكاريزما تنظيمية فريدة، أن يُواصل ما بدأه في وجدة، وأن يقود
لقاءً سنويًا ثابتًا على الأقل، يجمع التجارب الجادة ويُنصت إلى المنجز لا إلى
الأسماء.
أما عن الاجتهادات القُطرية، فأنا لا أرفضها، بل
أراها ضرورية كمحركات محلية، لكن على شرط أن تندرج ضمن رؤية ميكرو-محلية ذات حسّ
تثاقفي صادق. نحن بحاجة إلى تصور جديد للثقافة، لا كمركز ينشر، بل كجسد تعددي تنصهر فيه النكهات المحلية لتمنح الذائقة
العربية غناها الكامل.
لذلك، أقول: نعم، المشروع التنسيقي ممكن، لكنه لن يتحقق إلا إذا بدأنا من المحلي كأصل لا كقيد،
ومن جدية التخطيط لا من فجائية الدعوة. وأؤكد استعدادي الكامل للمساهمة في أي
مشروع جاد بهذا الاتجاه، تنظيرًا ومشاركة.
(ه.ع): في تصورك، هل مرتكزات
توطين الهايكو عربيًا تقوم فقط على استعمال اللغة العربية؟ أم قد تصل إلى تغيير
الاسم وتجديد البنية؟
(ن. س): توطين الهايكو عربيًا لا يمكن أن يكون مجرد عملية استنبات لغوي، لأن اللغة
ليست وعاءً فقط، بل نظام إدراكي وبلاغي وثقافي. كتابة الهايكو بالعربية ليست كافية
إن بقيت الأدوات والمفاهيم مستوردة، أو إن كُتب النص بروح الهايكو الياباني ثم
تُرجم إلى العربية كأنه جسدٌ بلاغي بلا هوية.
لكن في المقابل، لا أرى أن تغيير الاسم أو نفي
الأصل يشكّل حلاً، لأن هذا يوقعنا في هوس الأصالة المتوهمة، أو القطيعة التي لا
تبني. الاسم “هايكو” لا يزعجني، بقدر ما يهمّني أن تُستبدل مرجعياته دون أن يُنكَر أثره. الهايكو بوصفه بنية زمنية
ولغوية يمكن أن يُخصّب، أن يُترجم مفهوميًا لا لفظيًا، أن يُعاد تدويره داخل
منظومات البلاغة العربية، خاصة في النحو والتصوف والفلسفة، حيث نجد أثرًا موازيًا
للصمت، للغياب، وللإيماء.
تحديد البنية مرفوض. أما تخصيبها بالميراث العربي، فهو مفتاح استنباط أجهزة نقدية وأدوات تكون
عربية فعلًا، لكنها قابلة للتثاقف بلغات أخرى. مشروعنا الطموح يسعى إلى هذا
بالضبط: لا ترجمة الهايكو، بل توليد جهاز
عربي يُفكّر شعرًا عبر الصمت واللا-مباشرة.
ولا بد هنا من التذكير أن المباهلة، في أصلها
القرآني، ليست مجرد مواجهة لفظية، بل منازلة وجودية تُحتكم فيها الذات إلى الصدق،
وتُنزع عنها الأقنعة. ولذلك، حين أقول إن المثقف العربي يباهل الهايكو، فأنا أعني
أنه لا يُجامله، بل يواجهه بكل أدواته الفكرية والبلاغية، من موقع المساواة لا
التبعية، ومن انكشاف لا تزيين. فالهايكو لا يُستعار، بل يُستحق.
ومن ثم، فإن مشروع توطين الهايكو لا يمكن أن يقوم
على نية حسنة أو غيرة لغوية فقط، بل على وعي بلاغي وإدراكي بمكوّناته، وبما في
تراثنا من قابليات موازية، نائمة أو مُهملة. إننا لا نبحث عن "هايكو
عربي" لأن الياباني لا يعجبنا، بل لأن بلاغتنا تُطالب بمختبرها التأويلي
الخاص.
وهنا أسأل — بمرارة واعية:
منذ متى صار ورثة
الصوفيين وفطاحلها في الشعر والنحو والفلسفة وعلوم اللغة والبلاغة، لصوص أفكار
وغانمي تثاقف؟
تاريخُنا بجيناتنا
الفكرية… حتى وإن ظهرت محاولات لم تتمكن من غير فتح العين والموت في غياهب
النسيان... فالمثقف العربي ذو أنفة، صديقي.
بكلمة واحدة: توطين الهايكو يبدأ من توطين الرؤية، لا من ترجمة القالب، ولا
من استبدال الاسم.
(ه.ع): هل ما يكتبه العرب بلغة غير العربية يدخل في نطاق التجربة الهايكوية
العربية، أم هو شيء آخر؟
(ن. س): اللغة ليست مجرد
أداة كتابة، بل هي البيئة التي تتنفس فيها الرؤية وتتموضع فيها الذاكرة. لذلك،
أعتبر أن الهايكو الذي يُكتَب بالعربية، حتى وإن لم يكن مكتملًا أو ناضجًا، يظل جزءًا من مشروع الهايكو العربي بوصفه
جهدًا داخليًا لاكتشاف الشعر في اللغة لا عبرها فقط.
أما النصوص التي يكتبها شعراء عرب بلغات أجنبية،
فمهما كانت جودتها، فإنها تنتمي إلى تجربة
كونية، لكنها لا تُسهم بالضرورة في بناء هايكو عربي. إنها جزء من مسارات
الذات المتعددة، من الترجمة الذاتية، من التهجين أحيانًا، لكنها لا تنتج جهازًا
بلاغيًا عربيًا، ولا تُخاطب القارئ العربي بلغته، أي لا تُؤسّس شعرية عربية من
الداخل.
بل إنني أذهب أبعد: ما يُكتَب خارج العربية يُمكن
أن يكون أجمل وأكثر إحكامًا، لكنه ليس امتدادًا لتجربة الهايكو العربي – إلا إذا
عاد إلى العربية على شكل مشروع مُترجم يعيد مساءلة اللغة الأم، أو يُخصّب بها.
وحده الكتابة بلغة الضاد تضعنا
أمام تحديات الخصوصية البلاغية التي لا يمكن لأي لغة أخرى أن تحاكيها.
وإذا أردنا أن نكون دقيقين، فالمُساهمات العربية
بالفرنسية أو الإنجليزية أو الإسبانية قد ترفد التجربة العربية من الخارج، لكنها
تظل ضمن الهايكو العالمي بصوت عربي،
لا داخل التجربة "الهايكوية العربية"
التي تُبنى – لا فقط بالهوية – بل باللغة وبلاغتها ومناخها الذهني.
باختصار: نعم، الهايكو العربي لا يكون إلا
بالعربية، لأن الهايكو ليس مجرد شكل، بل أثرٌ
بلاغي مشروط بجهاز لغوي معيّن.
(ه.ع): متابع للهايكو عالميًا، كيف تقيّم تجربة الهايكو المعاصر في اليابان؟ وهل
لها من مقومات الانتشار أم هي مجرد موجة عابرة يقودها أفراد منعزلون؟
(ن. س): الهايكو المعاصر في
اليابان يعيش ما يمكن تسميته بلحظة ما
بعد مركزية باشو، حيث لم يعد المرجع الجمالي واضحًا، ولا سلّم القيم
مستقرًا. هناك تجريب هائل، نعم، لكن فيه أيضًا قدر كبير من التفكك، وأحيانًا
الارتجال، خاصة بعد تفكك بنية الكيغو الكلاسيكي، وتحول "اللحظة" من تجربة كونية إلى ومضة
ذاتية أو عبثية.
ولذلك، أرى أن ما نتابعه اليوم هو فضاء مملوء بالنصوص، لكنه لا يُنتج بالضرورة
أثرًا شعريًا جماعيًا متماسكًا. هناك أسماء لامعة، ومبادرات عميقة، ولكنها
غالبًا ما تبقى معزولة. إنها ليست موجة عابرة بالمعنى الزمني، لكنها ليست أيضًا
تيارًا موحدًا. أقرب ما تكون إلى تفريعات
تجريبية لجهاز بلاغي تم استنزافه ثم خضّ بلاغته التقليدية.
وبصراحة، نحن كعرب، لسنا في موقع التقييم فقط، بل
نحن في حاجة إلى مهلة زمنية تشبه الـ
"ما"، نتوقف فيها عن استنساخ المسارات اليابانية أو حتى
العالمية، ونلتفت إلى "ما لم نفعله
بعد". لا بد من الصوم عن التلقي لمدى عقدين، ليس لأننا أقل كفاءة، بل
لأننا لم نحفر بما فيه الكفاية في أرضيتنا البلاغية.
علينا عصر تاريخنا، استنطاق النحو والصوفية
والفلسفة العربية، وإعادة سماع الأصوات التي اتُّهمت بالزندقة فقط لأنها أحبت اللغة حتى البهجة، وركبتها حتى الإفصاح،
وحاورتها حتى الاحتراق. هناك بلاغات صمتٍ مهجورة، وإشارات غُيّبت تحت بلاغة
العلوّ والخطابة.
ومن هذا الموضع تحديدًا، أُبدي تحفّظي المشروع: لا أسعى اليوم إلى تعميم مفاهيم جديدة قبل
اكتمال نضجها، ولا إلى تسميتها صراحة، لأننا ببساطة لم نؤسّس بعد جهازًا
معرفيًا يحمي المفاهيم من أن تُنتَزع من سياقها وتُستهلك بلا مساءلة.
(ه.ع): هل من صدى أو تأثير متوقّع لتجربة الهايكو المعاصر في العالم العربي؟
(ن. س): أوجه عديدة لهذا السؤال اجبت عليها ضمن اجابتي السابقة. وعليه، اضيف انه كلّما زاد اطلاعي
على تجربة الهايكو الياباني المعاصر، وكلما تعمّقت في طرق تقديمه عالميًا، كلّما
ازددت اقتناعًا أننا، كمهتمّين بالهايكو عربيًا، بحاجة إلى مهلة تأمّل طويلة… بل
إلى ما يشبه "صومًا معرفيًا"
لعقدين على الأقل. ليس لقلّة القيمة في التجربة اليابانية الحديثة، ولكن لأن
التفاعل الحقيقي لا يكون بالمحاكاة، بل بالهضم، والخلق.
إن الأثر المتوقع لا يمكن أن يُقاس بما تتيحه
الترجمات أو التداول العام، بل بما يمكن أن يولّده الهايكو المعاصر من أسئلة جديدة
داخل التربة البلاغية العربية. ولكن هذا لا يحدث إلا إن منحنا أنفسنا حقّ
"الإنصات الزمني"، على شاكلة مفهوم "الما" الياباني، ولكن هذه المرّة كـ"مهلة بلاغية عربية" نُعيد فيها
تشغيل ذاكرتنا البلاغية، لا لنقارن أو نتفوّق، بل لنفهم ما الذي يجعل الصمت شعريًا
عندنا، وكيف نبلور قطعتنا الزمنية خارج وهم الاندماج الكامل أو النسخ المطمئن. ما
أراه إذًا ليس تأثيرًا مباشرًا، بل ارتجاجًا
بطيئًا، لا يحدث إلا حين نُنزِل الهايكو في مداراتنا الأخلاقية والرمزية
والمعرفية، ونُخضعه لمختبر الأسئلة، لا لمسطرة الإعجاب. وهذا ممكن فقط إذا امتلكنا
شجاعة تأجيل الترجمة، وتجميد التقليد، وإعادة تفعيل الموروث لا كحائط صد، بل
كمصفاة بلاغية دقيقة. عندها فقط، سيكون للهايكو المعاصر صدًى، لا كعدوى، بل
كاستجابة.
ولذلك، لا أرى في التجربة اليابانية الحالية ذات
التوجهات الحداثية التي عرفها الشعر الغربي نموذجًا يُحتذى، بل "جسدًا حيًا" يُراقَب عن بُعد، حتى
نستكمل نحن أجهزتنا الداخلية. ما لم نبنِ آلة تأويل عربية تشتغل بالصمت،
بالانقطاع، بالإيجاز المُشتبك مع الإرث، علاوة على مخاطر المحاكاة، سنظل نستهلك لا
نُنتج.
(ه.ع): علمنا أنك منهمك بمشروع هايكوي كبير: هل البحث يقتصر على التجربة العربية
فقط؟ وما هي القيمة المضافة التي تتوقعها له؟
(ن. س): مشروعي الحالي لا
يتعامل مع بلاغة واحدة بل مع كل البلاغات من الأم الى العربية مرورا بالغربية
والشرقية وهو لا يقتصر على التجربة العربية بمفهومها المحلي أو القُطري، بل يتعامل
مع الهايكو باعتباره جهازًا بلاغيًا معرفيًا كونيا يُعيد تشكيل العلاقة بين اللغة
والزمن والإدراك. نعم، المركز الفاعل فيه
هو الهايكو العربي، ولكن ليس كجسم مستقل، بل كبؤرة اختبار لكل ما راكمته
اللغة العربية من بلاغات مهملة، صوفية، فلسفية، نحوية، وأيضًا أدبية، شرط أن تُفهم
لا كموروث بل كأداة تحليل حيّة.
القيمة المضافة التي أرجوها لا تتعلق بإضافة فصل
جديد في كتب النقد، بل بتأسيس أداة نقدية
هايكوية عربية الأصل والروح، تصلح للتفاعل مع باقي لغات العالم دون أن تُترجم فقط،
بل أن تُترجم غيرها. أنا لا أبحث عن تعريف للهايكو، بل عن مختبر عربي يولّد
شروط الكتابة وفقًا لرؤية نابعة من بنية اللغة العربية.
لهذا، لا أسعى إلى توثيق تاريخ أو محاكاة تيارات، بل إلى بلورة مفهوم للهايكو العربي ليس بوصفه نسخة من الأصل الياباني، بل كحاجة معرفية بلاغية تولدت من احتكاك اللغة العربية بذاتها وبالعالم.
ما نعمل عليه اليوم، في هذا المشروع، هو استكشاف
وظائف هايكوية لا نسمّيها صراحة، ولكن نطوّرها من حيث الأداء والتحليل والتأويل.
والهدف، أن ننشئ جهازًا عربيًا قادرًا على فرز النصوص، إنتاجها، تأويلها، وربطها
بمفاهيم خارج البلاغة التقليدية.
نعم، المشروع طموح، ولكننا نعمل على تجسيده، وسيكون
محور ما نعتزم نشره قبل نهاية هذه السنة، دون استعجال، وبقدر كبير من الدقة
والصبر، لأننا نعتبر أن أي اختزال في
التأسيس يُنتج وهمًا شعريًا لا أثرًا بلاغيًا.
(ه.ع): في كلمة، ماذا تقول: لممارس الهايكو، لمترجم الهايكو، للناقد والباحث في
الهايكو ولمدراء أندية الهايكو العربية وللجهات المهتمة (دور نشر، مجلات، مواقع،
صحف...)؟
لا تكتب كي تنشر. اكتب
لأنك لا تملك خيارًا آخر. عش اللحظة، لا تتقمّصها. الهايكو لا يُصطنع بل يُعاش،
والصدق فيه لا علاقة له بالاعتراف بل بالإيماء. لا تُذهل، بل انظر من جديد.
-
لمترجم الهايكو:
لا تترجم الكلمات بل
انقل الرؤية. حافظ على “البياض”، لا تملأ الفراغات بما لم يُقله النص. لا تجعل
النص مفهومًا… اجعله ممكنًا.
-
للناقد والباحث في
الهايكو:
ابنِ أدواتك لا من “نقد
الشعر” بل من “صمت الشعر”. افتح البلاغة العربية من خاصرتها، واستخرج منها ما يشبه
"الما" و"الكيغو" و"القطع" بوسائل عربية خالصة. لا
تشرح، بل فكّر.
-
لمدراء أندية
الهايكو العربية:
لا تسوّقوا الأسماء، بل
دعوا النصوص تتكلم. لا تجعلوا من إدارتكم مشروع تمثيل بل مشروع كشف. من ليس له نص
لا تروّجوا له، ومن عنده نص لا تسألوه عن اسمه.
-
للجهات المهتمة (دور نشر، مجلات، مواقع،
صحف...):
لا تطبعوا ما لا يُقرأ
بعد شهر. الهايكو ليس زينة، بل مدرسة رؤية. ادعموا من يُغيّر ذائقة لا من يُرضيها.
تحمّلوا عناء المجازفة، فالجمال لا يأتي من التكرار.
-
لقارئ الهايكو:
لا تبحث عن الدهشة فهي
فعل متبخِّر ولا عن “المعنى”، بل عن الرِّعشة. اقرأ الهايكو كما تنظر من نافذة
قطار: شيء عابر، يُشبه شيئًا فيك لم تعرفه بعد. إذا فهمته فورًا، فربما لم يكن
هايكو. وإذا أربكك، فقد بدأ في العمل.
-
إليك شخصيا:
شكري العميق لك أستاذ
محمد بنفارس، على كرمك المعرفي، وعلى هذه الفرصة التي منحتني إياها للتعريف بنفسي
ومسيرتي المتواضعة في درب الهايكو، وللحديث عن مشروعي النقدي الذي أحاول بناءه
لبنة لبنة منذ سنوات. أدين لك بحسن إدارة هذا الحوار، بحسك الثقافي الرفيع، وبالحنكة
التي تدير بها هذا الفضاء التواصلي، الذي صار منبرًا نادرًا للحوار الحقيقي حول
الهايكو العربي. وجودك في هذا المشهد ضروري، لا كمجرد محرر، بل كمؤسس لرؤية
تثاقفية نحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى.
مشروعك، صديقي بنفارس، الذي توصل إلى إنشاء مجلة
عربية للهايكو وربطها بالهايكو العالمي عبر أندية الهايكو، هو أمر يُذكر فيُشكر.
وقد ساهمت في اقتراح توجهاته منذ العدد التجريبي، وأعلم ما تواجهه من صعوبات لم
تُفقدك العزيمة — مثل تكاليف الطباعة والتوزيع البريدي — ولكنك تعمل على إيجاد
حلول فعليّة. أحيي كذلك انفتاحك على النقد الجاد وتأطير التجارب وتوثيقها. هذا وعي
تثاقفي نحن في أمسّ الحاجة إليه.
دام فضاؤكم منارة لمن
أراد أن يتفكر… لا أن يتفاخر.
