إعلان الرئيسية

الصفحة الرئيسية الهايجن بين الموهبة والمعرفة/ عبد الجابر حبيب

الهايجن بين الموهبة والمعرفة/ عبد الجابر حبيب

حجم الخط

 

عبد الجابر حبيب[i]

الهايجن 

بين الموهبة والمعرفة


هايكو العالم: 12 يونيو 2026


كلما طُرح السؤال" هل يعتمد الهايكو على الموهبة أم على الممارسة؟"

انقسمت الآراء بين من يرى أن الموهبة هي الأساس، ومن يعتقد أن كثرة الكتابة والتجربة كفيلتان بصنع كاتب هايكو جيد. غير أن هذا السؤال، في تقديري، يخفي وراءه سؤالاً أكثر أهمية: هل نعرف أولاً ما الذي نكتبه؟

إذا اتفقنا على أن الهايكو جنس أدبي له خصائصه وتقنياته، فإن أول واجب على الهايجن أن يحترم هذه الخصائص، كما يحترم الشاعر العمود الشعري أو كاتب المسرح قوانين البناء الدرامي. فلا يمكن لأي نص من ثلاثة أسطر أن يصبح هايكو لمجرد أنه كُتب على هذا الشكل.

في بدايات انتشار الهايكو عربياً، كانت النوادي والملتقيات الأدبية أكثر حرصاً على هذه المسألة. كان استخدام المجاز الثقيل، أو التشبيه المباشر، أو البلاغة التقليدية يثير نقاشاً نقدياً، وكان الجميع تقريباً يسلّم بأن الهايكو يقوم على التقاط مشهد من الطبيعة، أو من الحياة اليومية، وأن قوته تكمن في حضوره المباشر لا في صناعة الصور الذهنية المعقدة.

ومع مرور الوقت، بدأت تظهر تسميات واتجاهات مختلفة، فصار البعض يستند إلى الهايكو الحديث، أو الجنداي لتبرير التخلي عن بعض الخصائص، مثل الكيغو، أو غيره من العناصر التقليدية، ولا مشكلة في تطور الفنون الأدبية، فالتطور سنة طبيعية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التطور إلى ذريعة لإلغاء هوية النص نفسها.

وهكذا اختلط الأمر عند كثير من الكتّاب، فأصبح كل نص قصير، أو كل ومضة شعرية، أو كل تأمل فلسفي، يُقدَّم على أنه هايكو.

لو كتب أحدهم مثلاً:


بئر الأحزان،

على حافة عمر اليأس

موال الفقر.


فنحن أمام لغة تجريدية، ومجازات وصور ذهنية، لا أمام مشهد يمكن للقارئ أن يراه أو يعيشه.

وكذلك لو كتب:


غيمةٌ رمادية،

ربما تمطر،

في مكانٍ آخر.


فإن النص لا يقدم مشهداً قائماً، بل يبني احتمالاً وينتظر حدثاً لم يقع بعد. إن كلمة "ربما" وحدها تدفع القارئ إلى التفكير فيما قد يحدث، بينما يقوم الهايكو، في جوهره، على التقاط ما يحدث الآن، والإمساك باللحظة الحاضرة كما هي.

وفي المقابل، يمكن للهايكو أن يكتفي بمشهد صغير من الطبيعة:


بعد المطر،

على عمود الكهرباء

غراب وحيد.


أو بمشهد من الحياة اليومية:

وردةٌ بيضاء،

في إصبع البستاني

نقطةُ دم.


ففي هذين النصين لا نجد تفسيراً للمشهد، ولا خطاباً عاطفياً، ولا محاولة لتوجيه القارئ إلى معنى محدد، وإنما لحظة بسيطة تُترك له حرية اكتشاف ما تحمله من دلالات.

وهنا تظهر مشكلة أخرى أشد تعقيداً، حين نجد أسماء لها مكانتها في عالم الهايكو تكتب نصوصاً تبتعد عن هذه الخصائص، فيأتي كثير من المبتدئين ليتعاملوا مع الاسم لا مع النص، فيُقاس الهايكو بشهرة صاحبه؛ لا بمقدار اقترابه من روحه الفنية.

إن السؤال الحقيقي ليس: هل كتب النص هايجن مشهور أم مبتدئ؟ بل: هل استطاع النص أن يخلق مشهداً حياً؟ هل منح القارئ فرصة المشاركة في اكتشاف المعنى؟ هل نقل إلينا لحظة محسوسة من الطبيعة أو الحياة؟

أما الحديث عن الموهبة والممارسة، فلا أرى تعارضاً بينهما. فالموهبة تمنح الكاتب حساسية خاصة تجاه التفاصيل الصغيرة، والقدرة على التقاط اللحظات التي يمر بها الآخرون دون انتباه. لكنها وحدها لا تكفي، لأن الموهبة التي لا تُصقل بالمعرفة، والقراءة والنقد الذاتي قد تتوقف عند حدود الانطباع الأول.

وفي المقابل، فإن الممارسة وحدها لا تضمن التطور. فليس كل من كتب مئات النصوص أصبح هايجناً أفضل. قد تتحول الكتابة الكثيرة إلى مجرد تكرار إذا لم ترافقها مراجعة وقراءة وتأمل وتجريب.

الهايجن الحقيقي هو الذي يجمع بين الموهبة والمعرفة. يقرأ التراث الكلاسيكي، ويتابع التجارب الحديثة، ويتقبل النقد، ويعيد النظر في نصوصه، ولا يظن أن كثرة الإنتاج دليل على الجودة.

وأعتقد أن الخلافات الدائرة اليوم حول الهايكو العربي ليست خلافات بين أنصار الموهبة، وأنصار الممارسة، وإنما هي خلافات حول تعريف الهايكو نفسه. فإذا فقد الهايكو مشهديته، واستبدل الملاحظة بالمجاز، واللحظة الحية بالتجريد، والتقاط الواقع بصناعة البلاغة، فإنه يقترب من الومضة الشعرية، أو الشعر الحر، أو غيرهما من الأجناس الأدبية، وهي فنون لها قيمتها الجمالية، لكنها ليست الهايكو.

فالهايجن لا يصنعه عدد النصوص التي يكتبها، ولا الشهرة التي يحققها، بل قدرته على رؤية العالم بعين جديدة، والتقاط لحظة صغيرة من الحياة، وترك القارئ يشارك في اكتشاف دهشتها دون شرح أو خطابة أو تزويق لغوي.

ولعل الهايكو، في نهاية المطاف، ليس فناً لتعليمنا كيف نكتب، بقدر ما هو فن يعلمنا كيف نرى.

 



[i] مسرحيـ هايجن وباحث في الهايكو/ سوريا


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق