" [ ] من المؤشرات السلبية التي تواجه تجربة الهايكو العربي/ بالعربية إلى حدود يومه، نزوعٌ متزايد، حتى عند الشعراء المعروفين، إلى الاشتغال على التأثير عبر الصنعة اللغوية وبلاغة الانزياح، بحيث تبنى النصوص بغرض الإدهاش أو ترتيب مفارقة أو لفت النظر من خلال تركيب الكلمات أو العبارات، وليس من خلال ما تتيحه من مشهد. ما يجعل الالتقاط الحسي يتراجع لصالح بناء لغوي يختلق التجربة، أو، في أحسن الأحوال، يعيد صياغتها عوض فسح مجال يتيح لها التشكل.
غير أن المشكلة لا تكمن في اللغة في حد ذاتها، بل في منحها مركز إنتاج الأثر، بحيث تُستبدل دينامية التفاعل بين عناصر النص داخل لحظة إدراك، بتنظيم دلالي يسعى إلى تحقيق نتيجة مسبقة. والمحصلة نص لا يعمل ككتلة تتشكّل من الداخل، بل عبارة تصنع لتقول شيئًا. وهذا يتعارض مع روح ومتطلبات الهايكو كنوع مختلف يقوم على البساطة والاقتصاد والامتناع.
وستكشف الأمثلة، التي سنعرض لها بالقراءة، عن هذا المنحى بوضوح، حيث بدا الهاجس اللغوي حاضرا، بل موجّهًا لاختيار العناصر وتنظيمها، بما يجعل الأثر خلاصة تركيب بلاغي، لا نتيجة تنبثق من تفاعل مشهدي.
في المقابل، يظل الهايكو، من منظور شعرية المناخات المشهدية، قائمًا على الانطلاق من مشهد ملموس، حيث تتجاور العناصر دون توجيه، ويتكوّن
مناخ يفتح الأثر دون أن يُعلنه. ومن هذا التفاعل الداخلي فقط، لا من الصنعة أو الترتيب المسبق،
ينبثق ما يميّز الهايكو ويمنحه قوته الأصيلة.
على أن الأمر لا يتعلّق برفض البلاغة في ذاتها، بل بوضعها في
موقعها: لا بوصفها أداة لقيادة نص الهايكو، بل كوسيط مدروس ومتحكم به لصالح ما يتشكّل داخل
المشهد [ ].
من كتاب: شعرية المناخات المشهدية – من المشهد
إلى الأثر، محمد بنفارس
